كانت السفارة الأميركية تلقب في طهران ب«عش الجواسيس» عقب احتلالها من قبل الطلاب الإيرانيين في نوفمبر عام 1979. وبعد أن مرت ثلاثين سنة من عمر الثورة الإسلامية في إيران، يتساءل المحللون للوضع الإيراني، ما هي حقيقة النزعة المعادية للولايات المتحدة الأميركية في إيران اليوم؟
لقد أخفق الرئيسان بيل كلينتون وجورج بوش في معالجة الملف النووي الإيراني. وكانت إدارة بوش السابقة قد صنفت إيران في «محور الشر» الأميركي، واستمرت في طرح الخيار العسكري من أجل القضاء على البنية التحتية النووية الإيرانية. غير أنه في السنة الأخيرة من عمر تلك الإدارة أخذت نافذة الخيار العسكري هذه ضد طهران تنغلق، على الرغم من التحريض الإسرائيلي لواشنطن من أجل القيام بضربة عسكرية لمنشآت إيران النووية.
والسبب في ذلك يعود إلى التورط الأميركي في حربين في العراق وأفغانستان، وإلى حسابات أميركية مضمونها أن الهدف السياسي المتوخي من الضربات العسكرية غير مضمون النتائج ، وإلى موقف الدول العربية الرافض للخيار العسكري نظر اً لتداعياته الإقليمية التي ستكون في غير صالح أميركا ودول المنطقة المعتدلة.
وبالمقابل كان المهدي والمخلص والأصولي الرئيس أحمدي نجاد يندد على الدوام بالدعم الأميركي «غير المشروط» لإسرائيل، الذي يريد «إزالتها من الوجود »، وهو يعلم أن إيران لا تمتلك القدرة على ذلك، ولكن طهران تعلم أيضا أنه لا يمكن تحقيق تسوية في المنطقة من دونها. وهذه الحقيقة تجعلها تصرخ بأعلى صوتها وتزيد في غلوها لتحسين شروط العلاقة مع أميركا والغرب .
إيران في الوقت الحاضر، تعاني من «العزلة » الدولية، على الرغم من أنها أصبحت طرفاً إقليمياً يجب أن يحسب له ألف حساب. ففي العراق استلمت الأحزاب الشيعية الموالية لطهران السلطة في بغداد.
وفي لبنان حقق حزب الله المدعوم من إيران نصراً بصموده في حرب يوليو 2006، أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن الرئيس أحمدي نجاد الفارسي الشيعي، أصبح يطرح نفسه «قائداً للشارع العربي»في مواجهة دول الاعتدال العربي، التي باتت تنظر إلى حركة «حماس» بأنها أصبحت وسيلة تستخدمها إيران لتنفيذ طموحاتها الإقليمية ولإقناع أميركا بأهليتها لدور إقليمي كبير يرسي استقرارا غاب عن المنطقة طويلا، وعجز العرب عن تحقيقه.
وهذا ما جعل دول الاعتدال العربي تقرر في قمة أبوظبي الأخيرة المواجهة المباشرة لأي جهة إقليمية ترى في مواقفها السياسية وفي ممارساتها خطراً مباشراً على العرب كأمة، أو على القضايا العربية العادلة والمحقة وفي طليعتها قضية فلسطين.
في مواجهة الملف الإيراني المعقد، يبحث الرئيس الأميركي باراك أوباما «في مقاربة أخرى»طارحاً نوعاً «من الحوار في إطار الحزم» من دون تفاصيل أخرى. وعلى الصعيد الرسمي السياسة الإيرانية لإدارة اوباما هي بصدد المراجعة ولفترة غير محددة. الملف الإيراني أصبح مسئولا عنه المبعوث السابق للرئيس بيل كلينتون دنيس روس، وذلك من أجل طمأنة إسرائيل. ولا تريد إدارة أوباما أن تستبق الأمور، فهناك الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي ستجرى في 12 يونيو2009.
وهذا ما يجعل الرئيس أوباما غير مستعجل لاتخاذ أية مبادرة من شأنها أن يوظفها الرئيس أحمدي نجاد في حملته الانتخابية، ولاسيما في ظل احتدام الصراع بين المحافظين والإصلاحيين حول الانتخابات الرئاسية المقبلة ، هذا أولا، كما أنه يجب تهيئة الكونغرس، حيث توجد معارضة شديدة من قبل اللوبي الإسرائيلي «أيباك»، الذي يعكس الموقف الإسرائيلي الرافض لأي تقارب أميركي – إيراني، والداعي على إبقاء الخيار العسكري، لاسيما إذا ما فاز نتانياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ثانيا.
ما هو الوضع في الجانب الإيراني ؟في سابقة غير معهودة أرسل الرئيس الإيراني أحمدي نجاد رسالة تهنئة للرئيس المنتخب أوباما، قال فيها «إذا كان التغيير المعلن هو حقيقي، وأن المقاربة الجديدة قائمة على الاحترام، فإننا سنستقبلها، وسنتخذ الإجراءات المناسبة». ويوضح نائب وزير الخارجية الإيراني والسفير الإيراني السابق في باريس علي الهاني، الرؤية الإيرانية لأسس الانفراج مع الولايات المتحدة الأميركية.
إذا كان الرئيس الأميركي أوباما يريد أن يجسد القطيعة مع «السياسة العدوانية المكروهة للرئيس بوش»، فإن على الرئيس الأميركي أن يتوخى «الواقعية»، لجهة ممارسة التغيير في نقطتين أساسيتين، شكلتا منذ سنوات شوكتين مغروستين في الكبرياء الوطني، وفي مشاغل أمن النظام: الاعتراف بالجمهورية الإسلامية الإيرانية كما هي أولاً. والاعتراف بأن هناك قوى برزت على المسرح الدولي، ومنها إيران، تريد أن تكون شريكاً للغرب، نظرا لثقلها في المنطقة، وفي العالم الإسلامي والعالم، ثانياً.
كاتب تونسي