معركة مرفأ اللؤلؤ أو بيرل هاربر، لم تكن غزوة يابانية مباغتة كبّدت أميركا خسائر تقدّر ببضع مئات أو ربما آلاف من الأرواح وبضعة ملايين من الدولارات في الممتلكات، بقدر ما كانت مكيدة أميركية جنت من ورائها ضوءا أخضر لشن غزوة ارتدادية أو انتقامية ضد (العدو) الياباني عُرفت باسم إلقاء القنبلة الهيدروجينية على هيروشيما وناغازاكي، تلك الغزوة التي كبّدت اليابانيين ملايين الأرواح، ومليارات الدولارات في الممتلكات، وفوق ذلك خسران حريتهم السياسية ورضوخهم للوصاية كمستعمرة أميركية، ليس ذلك فحسب، بل لتخرج أميركا من بين دخان الحرب العالمية الثانية حاملة أعلام النصر، لتعلن نفسها دولة عظمى؛ إنه حقا ثمن بخس (أي خسائر مرفأ اللؤلؤ) لمجد أسطوري لا يقدر بثمن.

بهذا النوع من استصناع العداوات والتذرع بها لإيقاد نيران الحروب والمواجهات والأزمات السياسية أو الاقتصادية أو الكوارث البشرية، ثم استثمار الأزمة لجني المكاسب، لم تكن أميركا تمارس هوسا تكتيكيا أو تعبر عن عقد نفسية سياسية أو تلهو بالنار، بل كانت تستخدم لازمة من لوازم رؤيتها للبقاء كدولة عظمى لقرن قادم.

وبذلك اعتمدت استراتيجيتها على استثارة الهلع والفزع عند الأمة الأميركية وأحيانا العالم بأسره، ليعاد توظيف الشحنة المتولدة من طاقة الخوف، من أجل رفع درجة التيقظ والحذر من المخاطر أو الهجمات العدوانية ضدها إلى أقصى درجات الخطر، ورفع درجة الاستعداد والتهيؤ إلى أقصى درجات التعبئة،.

وبذلك تستبقي الأمة بأسرها وليس القاعدين على كراسي السلطة فقط في أقصى درجات الاستنفار لردة الفعل المضادة، وترفع احتمالات النجاح للوصول إلى كل أهدافها ومخططاتها بالعبور على جسور ذلك الفزع المصطنع إلى أعلى التقديرات.

في حقبة الحرب الباردة التي تلت الحرب العالمية الثانية، كان الاتحاد السوفييتي عدوا استراتيجيا استخدمته أميركا لنشر نصف قواعدها حول العالم، ولاسيما في المناطق التي تمثل عمقا استراتيجيا اقتصاديا بسبب مواردها الطبيعية أو الزراعية، أو في المناطق التي تمثل عمقا استراتيجيا جغرافيا لتسهيل حركة الجيوش والقطع العسكرية.

ولما تجمدت الحرب الباردة، دشنت أميركا عدوا جديدا اسمه المعلن الإرهاب أما اسمه المبطّن فهو الإسلام المتهم بأحداث 11 سبتمبر، واستثمرته لتدشن مرحلة استعمارية جديدة تحت ظلال العلم الأميركي في القوقاز وآسيا وفي أرض جزيرة العرب، ولتغمد النصف الثاني من قواعدها العسكرية في خواصر روسيا والصين والهند وأوروبا، ولتطلق كلابها البوليسية في مشارق الأرض ومغاربها بحجة مطاردة عدوها اللدود، وأيضا لتضع يدها على مكامن الثروات وعلى رأسها النفط.

لقد اتقنت الولايات المتحدة الأميركية تطبيق استراتيجية (العدو) بدرجة امتياز، ونجحت في ابتكار تقنيات وأساليب عبقرية في اختيار أعدائها أو ربما اختلاق وجودهم أو اختراعهم من نسج الخيال سواء أكانوا أشخاصا أم دولا أم مذاهب فكرية وإيديولوجية، ثم توظيف مخاوفها من عدوانيتهم بطريقة إيجابية ؟ وإن كانت مؤطرة بانحرافات الفكر الميكيافيللي الذي يرى الغاية مبررا للوسيلة- لاسيما مع إفلاسها الأخلاقي الذي يمتطي غطرستها، في سبيل الوصول إلى أقصى غاياتها وأهدافها ومآربها، وبهذا أصبحت تحكم العالم بأعتى ترسانة حربية، وأصلب قاعدة اقتصادية.

على امتداد مساحة التاريخ، كان الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه نماذج مثالية للإنسان الذي اختاره الله ليتسيد الكوكب الأزرق، ومع كل قيم الخير والحب والسلام والجمال التي بذلوا حياتهم وعرقهم ودماءهم من أجل إرسائها بين البشر، إلا أن ذلك لم يمنع العداوة من أن تقف لهم بالمرصاد على جنبات الطريق التي ساروا عليها، فها هو الحق تباركت أسماؤه يضع هذه السنّة الكونية بين يدي محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.

ولو شاء ربك ما فعلوه..» (الآية 112، سورة الأنعام)، لأن وجود العدو لازمة حياتية من حيث هو عنصر محفز للتيقظ وللاستمساك وللتحفز وللتوقد وللمبادرة وللإبداع وللاستعداد وللتماسك وللمواجهة وللتفوق، أما غياب العدو من الصورة فهو استدعاء للركون وللغرور وللتفريط وللانطفاء وللتكاسل وللتراخي وللغفلة وللتفكك وللنكوص وللانحطاط. وبهذا التنظير لم تعد فنون هذه العلاقة المتصادمة حكرا على الألاعيب السياسية،.

بل انتقلت بتقنياتها إلى حقل العمل الإداري، وأصبحت الخطط الاستراتيجية للمؤسسات والشركات تنبني على قياس عناصر القوة التي تمتلكها والفرص التي يمكنها اقتناصها، في مواجهة نقاط الضعف التي تعاني منها والتحديات التي تترصدها (العدو)، وكلما نجحت المؤسسة في توظيف عناصر قوتها لاستثمار عدوانية تحدياتها ونقاط ضعفها كلما تضاعفت قدراتها على التفوق والاستحواذ على مكاسب الفرص المتاحة لها.

لقد باتت الكثير من الشركات العملاقة اليوم تمتلك استثمارات ضخمة في مراكز الدراسات ومستودعات المعلومات والحواسيب العملاقة التي تجعلها أقدر على التنبؤ بتصرفات المنافسين أو بتحركات الأسواق أو بردود أفعال المستهلكين، فتتصدى لهذه التحديات باستعدادها دائما للمفاجآت أو أشباه المفاجآت، وتطوير أدواتها وأساليبها أخذا بمبدأ تحقيق أقصى المكاسب، أو تقليل الخسائر والأضرار إلى الحد الأدنى.

ولكن شتّان ما بين أهداف الأنبياء وغاياتهم وأساليبهم في مواجهة أعدائهم وما بين الدول والشركات، فبالرغم من أن أعداء الأنبياء حقيقيون وليسوا منتحَلين أو متهمين، إلا أن الأنبياء في إدارة الصراع لا يفكرون في تحطيم أعدائهم أو انتزاع حقهم في الوجود، بل يستثمرون عداوتهم للوصول إلى غاياتهم النبيلة، دون أن تمنعهم هذه العداوة من محاولة انتشال الأعداء من حمأة سقوطهم، أو تحريرهم من أغلال جمودهم وأحقادهم.

وإذا كانت خلطة الحياة البشرية مركبة بهذا التفاعل من الخصومة بين معسكر الحق وبين معسكر الباطل (الأعداء)، فإن تعريف التحديات المحيقة (الأعداء) وتحديد مخاطرها يصبح ضرورة استراتيجية، لأن الاقتراب من مكمن الخطر بدون أدوات وقائية يعني المقامرة بمواجهة خاسرة من قبل أن تبدأ، أما تناسي وجود العدو أو التقليل من خطورته أو افتراض تخليه عن عدوانيته فيعني الانتحار مع سبق الإصرار والترصد، كما أن الخطأ في التمييز قد يؤدي إلى استبدال العدو بالصديق.

ومن هنا فإن رسم ملامح الأعداء عملية لا تخضع لمعايير الأمزجة والمواقف الشخصية والظروف الوقتية، ولكنها عملية معقدة وشديدة الحساسية، وتتطلب موازين منهجية وموضوعية قادرة على تحديد العدو، وقياس درجة نشاطه أو كمونه، وحجم التدمير الذي قد يُحدثه.

ولو حاولنا إسقاط هذا التنظير على الواقع وتساءلنا، من هم أعداؤنا؟ فلربما تمكنا من وضع العديد من علامات الاستفهام حول ما يمكن التحقق من عدوانيته، فالإعلام الضحل الممسوخ الهوية الذي يعمل ليل نهار ليسلخنا من انتمائنا وهويتنا قد يكون عدوا، والأخلاقيات والثقافات والأفكار والإيديولوجيات المستوردة من تجارب الأمم الأخرى قد تكون عدوا.

والمشاكل الاجتماعية التي لا تجد حلولا جوهرية قد تكون عدوا، والأنظمة السياسية التي تتدخل في قضايانا المصيرية بحيث تستبقينا تحت وصايتها، أو تنتزع شيئا من حقوقنا- بالرغم من تسميتنا لها بالصديقة- قد تكون عدوا؛ فاستثمار معرفة الأسد وماذا يقدر أن يفعل، أفضل بكثير من الاعتقاد بأنه مجرد قط كبير.

كاتب إماراتي