منذ ان توقفت عمليات التدمير الواسعة النطاق التي مارستها اسرائيل خلال حربها المجنونة ضد قطاع غزة في شهر يناير الماضي، تبذل جهود عديدة ومكثفة من اجل التوصل الى اتفاق للتهدئة ووقف اطلاق النار بين حركة حماس واسرائيل، وهي الجهود التي تباشرها جمهورية مصر العربية وتدعمها الدول العربية وكثير من الاطراف الدولية الاخرى المعنية باستعادة الهدوء والاستقرار، ولو النسبي، الى الاراضي الفلسطينية وخاصة الى قطاع غزة، تمهيدا لاطلاق عملية اعادة الاعمار وبناء ماهدمته آلة الحرب الاسرائيلية.
غير انه من الواضح الى حد كبير، وفي ضوء ما شهدته الأيام الأخيرة من تحركات مكوكية للمفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين، ان هناك نوعا من المماطلة، أو بالاحرى نوعا من الابتزاز الاسرائيلي، سواء في محاولة الربط بين التهدئة وبين صفقة الافراج عن عدد من الاسرى الفلسطينيين مقابل اطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المختطف جلعاد شاليط، أو بالنسبة للجوانب المتصلة برفع الحصار وفتح المعابر وخطوات الالتزام بوقف اطلاق النار وسبل واجراءات وخطوات تطبيقه على الأرض كذلك.
واذا كانت اسرائيل تسعى للحصول على أكبر قدر من المكاسب، أو النقاط ذات الفائدة بالنسبة لها، فإنه يبدو ايضا انها مترددة في التوصل الى اتفاق للتهدئة قبل أيام قليلة من الانتخابات الاسرائيلية التي ستجرى يوم بعد غد الثلاثاء وما يمكن ان تسفر عنه من نتائج ستؤثر بالضرورة على الاوضاع في اسرائيل وفي الاراضي الفلسطينية المحتلة كذلك. صحيح أن حكومة اولمرت سوف تستمر في تسيير الامور في اسرائيل حتى تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة وفق ما ستسفر عنه الانتخابات، ولكن الصحيح أيضا ان حكومة اولمرت يمكنها ابرام الاتفاق الخاص بالتهدئة اذا ارادت بحكم مسؤوليتها القانونية والسياسية. ويكشف ذلك ان حكومة اولمرت تعمد الى المماطلة لانها تريد الا تتقيد باتفاق لوقف اطلاق النار والتهدئة في غزة قبل الانتخابات الاسرائيلية.
من جانب آخر فإن اولمرت وقيادات حكومته يسعون الى استغلال هذه الفترة السابقة للاتفاق على التهدئة في قطاع غزة من اجل محاولة القيام بعمليات اغتيال وتصفية لعناصر محددة في حماس والمنظمات الفلسطينية الاخرى، بالاضافة الى استمرار شن الغارات الجوية والقصف المدفعي للاهداف الفلسطينية في القطاع وتنفيذ عمليات توغل واجتياح احيانا ضاربة عرض الحائط بكل المواثيق والاعراف والقرارات الدولية.
واذا كان من المعروف ان التهدئة في قطاع غزة وافساح المجال أمام عمليات اعادة الاعمار وترميم ما خربته الحرب، وتخفيف بل انهاء الحصار على الفلسطينيين في القطاع وفتح المعابر، من شأنه ان يحد من التوتر ويدفع نحو السير لاستعادة الاستقرار مرة اخرى، فإنه من الاهمية بمكان الاشارة الى ان الاستجابة الإسرائيلية، والمدى الذي يمكن ان تصل اليه اسرائيل في افساح المجال امام ذلك كله، سيتوقف بدرجة غير قليلة على مايمكن ان تسفر عنه الجهود المبذولة لاستئناف الحوار واستعادة وحدة الصف الفلسطيني مرة اخرى، خاصة بين حركتي فتح و حماس. وتجاوز الجدل المؤذي وغير المفيد حول منظمة التحرير الفلسطينية والمساس بوجودها تحت هذا المبرر او ذاك. وعندما تدرك اسرائيل وتتيقن ان حماس وفتح تسيران بالفعل نحو الالتقاء وحشد الطاقات مرة اخرى فإنها سوف تعيد النظر في موقفها ومماطلاتها وقد تبحث عن أسباب إما للتعطيل او لاثارة خلافات بين اكبر فصيلين فلسطينيين.
على اية حال فإن استعادة وحدة الصف الفلسطيني مرة اخرى، وترميم ماحدث خلال الفترة الماضية بين فتح وحماس يشكل المدخل الأكثر فاعلية وتأثيرا في الموقف الاسرائيلي الراهن وكذلك في موقف اية حكومة اسرائيلية قادمة. فهل ستسير فتح وحماس نحو ذلك ام تغرقان في مزيد من الشقاق؟
