لانتخابات مجالس المحافظات التي جرت مؤخراً في العراق، أرضية وفضاء.أما الأرضية فذلك التاريخ الطويل للاستبداد والتسلط والحروب المجانية والعدوان والحرمان من أبسط حقوق الإنسان، حيث لا حرية من أي نوع، ولا كرامة للأفراد والجماعات، ولا رأي غير ما كان يراه (القائد الضرورة ) الذي وصف القانون باستخفاف بأنه (ورقة يوقعها صدام حسين ).هذا بالإضافة إلى قوافل الضحايا التي راحت بدون حساب وبدون جدوى، والحقوق التي انتُهِكت بلا وجه حق؛ وهي أمور عرفها القاصي والداني، ولا داعي لاستعراضها.

وما كاد العراقيون يتنفسون الصعداء من هذا الكابوس حتى جاء الاحتلال، وجاءت معه عصابات السلب والنهب والقتل والاختطاف والتفريط بوحدة البلد، وتمزيق نسيجه الاجتماعي ونهب ثرواته، ومواكب الضحايا التي شملت كل مساحة الوطن العراقي الذي خُيّل لنا بأن انتخابات 2005 سوف تقضي على تلك المظاهر الدموية والعصابات التي نفذتها، وتعيد الطمأنينة للناس وتحفظ حقوقهم، ولم يكن من المتوقع أن يُعهد الوطن ومقدراته ومصير أهله إلى احتلال داخلي لا يقلّ شؤماً من احتلال الأميركيين، عندما سُلّمت مقادير الوطن إلى (المحاصصة ) التي سوف نختنق إذا عدّدنا سوءاتها.

بعد هذه المرارة التي احتقنت بها نفوس الناس، والإحباط والشكوك المشروعة في إمكانية صلاح الأمور بهذه (المحاصصة )، جاءت الدعوة إلى انتخابات مجالس المحافظات على أمل أن تكون بداية لعهد جديد لا عصابات فيه ولا مليشيات ولا لصوص ولا سرقات. وراج القول بعودة المهجرين والكهرباء والماء الصافي والمودّة والوئام بين أبناء الشعب، وهي أمور أضنت الشعب، وبعثرت طاقاته، وعرقلت مشاريعه.

وقد كان لهذا الشعب من القوّة والبأس والصبر الجميل والوعي العالي أن يفوّت الفرصة على أعدائه، ويأخذ زمام الأمور بالمشاركة الفعّالة الواسعة في الانتخابات التي كانت موضع إعجاب وتقدير الهيئات الدولية التي شاركت بمراقبتها، وخلوّها مما يكدرها من أعمال تخريبية، فكانت نموذجاً للالتزام الشعبي والديمقراطية والشفافية التي قلّ نظيرها في المنطقة، رغم ما أثير من اعتراضات بسيطة على أداء مفوّضية الانتخابات، وهي اعتراضات أمكن تجاوزها بحكمة وشعور عالٍ بالمسؤولية.

على هذه الأرضية المتموّجة والمتوهّجة، سار العراقيون إلى مستقبلهم محفوفين بالأمل في أن يستدركوا ما فاتهم من فرص الحياة الجميلة، ويعيدوا بناء الوطن والنفوس القلقة، والثقة المهزوزة، وقد انعكس ذلك في الفرح الطافح بنتائج الانتخابات الأولية التي تابعناها.

أما فضاء هذا الإنجاز الباهر المنبعث من صميم تلك المعاناة فيمتد إلى ما بعد ظهور النتائج النهائية الحاسمة، بعد ثلاثة أسابيع، حيث يتبيّن منها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وتتخذ القوى السياسية مواقعها، ويأخذ الشعب حصّته من هذه الممارسة الديمقراطية التي ستغيّر موازين القوى والاستحقاقات، وتؤسس لوعي جديد، ولمشاركة فعّالة في التغيير نحو الأحسن.

وليس من المستبعد، بل من المؤكد، أن يكون للواقع العراقي الجديد تأثير على واقع الأمور في المنطقة؛ ليس من منطق (تصدير ) التجربة الديمقراطية، كما ذكر رئيس الوزراء، وإنما من قبيل ما تحمله من معانٍ ودلالات في التحفيز وجلب النظر إلى ضرورة مراجعة ما تمر به ظروف المنطقة وشعوبها، وهي مراجعة ستنطلق من شعوب المنطقة نفسها، وتحملها على التصرف في ضوء ما أتيح للعراق من نجاح في كفاحه من أجل الحرية والديمقراطية.

من هنا يتأتى الخطر على التجربة العراقية بما يُتوقّع أن تقوم به قويً في المنطقة لعرقلة نمو التجربة، خشية أن تكون محفزاً لطموح شعوب المنطقة الخاضعة لظلم ساستها، وضياع حريتها وحقوقها.

فهو خطر ذو وجهين؛ على العراق من ناحية إمكانية التدخل في شؤونه الوطنية؛ لعرقلة برامجه، وعلى من يخاف شعبه من إمكانية الإقتداء بواقع التجربة العراقية التي نجحت رغم وجود الاحتلال، ورغم الصراعات والمآسي التي أنضجتها. وهو ما يستدعي من القوى الوطنية اليقظة التامة قراءة الواقع، وضمان استمرار هذا الزخم الذي مهّد للعراق أن يستعيد مكانته المرموقة وطنياً وإقليمياً ودولياً.

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fr