إدخال منظمة التحرير الفلسطينية على خطّ الخلافات والانقسامات المستفحلة، بين غزة ورام الله، يبدو أنه في طريقه ليتحوّل إلى واقع على الأرض. انتقل من دائرة ما أحاط به من لغط والتباس، قبل أيام، إلى دائرة التأكيد على جدّيته. وكان من الطبيعي أن يسخن الجدل حوله. فهو يتناول مسألة حساسة، بمثابة العصب. يطال الرمز الفلسطيني، الملتصق بالقضية.
والتخوف هنا، ليس لأن الموضوع المطروح لا يجوز مسّه بحال؛ بل لأن التوقيت غير مناسب، فضلاً عن أن العلّة الأساسية في الأزمة الفلسطينية المتفاقمة، لا تكمن في هذه المؤسسة وتركيبتها. صحيح أنها غائبة أو مغيبة، لا فرق، منذ وقت طويل. وصحيح أنها بحاجة إلى نفض وتجديد تأخر عن وقته بكثير. لكن هذا شيء واستبدال المنظمة شيء آخر.
الأول تجري معالجته في أطر وسياقات معينة؛ لا ترقى إلى وجوب تكوين مرجعية أخرى، إلاّ في حال تحقق الإجماع على ذلك وتوفرت ظروفه. أما نسف القائم، عن طريق إنشاء رديف؛ فليس بأقل من مجازفة لا تخلو من المخاطر المصيرية، على القضية برمتها.
في أفضل الحالات، يهدّد بنقل الوضع إلى طور جديد مفتوح على المجهول. ليس أقله المضي بالانقسام الفلسطيني إلى آخر الشوط، مع كل ما يترتب على ذلك من تداعيات، وطنية وسياسية وما يتناسل عنها. ففتح ملف هذه المرجعية الوطنية، من باب تشكيل بديل لها؛ وفي هذه اللحظة بالذات، من شأنه مفاقمة المتاعب داخل البيت الفلسطيني؛ وزيادة الخسائر خارجه. الأكلاف التي ترتبت على الانقسام، بين «فتح» و«حماس»، لا تحتاج إلى جردة.
الشرخ واسع إلى حدّ تعذر معه الوصول إلى صيغة حول كيفية إعادة إعمار القطاع. ناهيك بالمعابر والحوار الوطني، الذي صار انعقاده يتطلب شبه معجزة. مثل هذا الوضع المثقل بالإنشطارات والتعقيدات، لا يحتمل الدخول في متاهة جديدة من نوع مرجعية بديلة. لاسيما أن من شأن ذلك زيادة انكشافه، من جميع النواحي.
وإفساح المجال للتركيز على تعميق خلافاته ودفعها نحو الطلاق التام. ويصبح من باب تحصيل الحاصل، أن ينسحب ذلك على رصيد القضية الكبير، في الخارج. الاعتراف الذي انتزعته المنظمة، بعد سنوات من الجهود والنضال، قد يتعرض للتبديد. على الأقل للضمور.
إصلاح وتفعيل منظمة التحرير ضروري؛ مع أنه ليس له طابع العجلة. وفي كل حال، يمكن التحاور بشأنه، من ضمن القضايا الأخرى، موضع الخلاف. تشكيل بديل، ينطوي على خطر نسف الجسور. وذلك ليس في مصلحة القضية. اللحظة الراهنة ليست لحظة تأسيس. فهي لا تحتمل أكثر من مهام إنقاذية.
