سعت اسرائيل ردحا من الزمن للاستفراد بالشعب الفلسطيني على امل اخضاعه لإرادتها فاخفقت في ذلك اخفاقا ذريعا في كل مراحل هذه الخطة.
في البدء قصرت دور اوروبا على النشاطات الاقتصادية والانسانية وخصصت الولايات المتحدة للدور السياسي والدعم العسكري، فإذا بالشعب الفلسطيني يطور ادواته النضالية الى حد عقد الأمور امام اسرائيل وأربك حساباتها.
وحاولت اسرائيل الاستخفاف بالدور العربي في معالجة الصراع بطرح مبادرات وقبول تفاهمات ، وكلما خطا العرب خطوة في طريق السلام ابتعدت اسرائيل خطوات، فكان ان تقدمت قوى اقليمية اخرى لتساند الموقف العربي والفلسطيني وتسد ما ينشأ من فراغات في حالة الاختلاف في الآراء سواء بين الفلسطينيين او بين العرب.
وكلما غالت اسرائيل في استخدام القوة خسرت في الوقت ذاته مساندة قطاع كبير من المساندة الدولية وانقلب ضدها من كان يعتبر نفسه محايدا بسبب ما هاله من عدوان غاشم على المدنيين الفلسطينيين بذرائع لم تفلح في اقناع احد حتى في صفوف مؤيدي اسرائيل.
وفي كل جولة يعتقد قادة اسرائيل انها يمكن ان تحسن وضعهم القتالي او التفاوضي اذا بها تنقلب ضدهم وتفضح عدم مصداقيتهم ونزوعهم الدائم الى العدوان والرهان على القوة المسلحة وحدها كخيار لاخضاع كل من الفلسطينيين والعرب.
وفي العدوان الاخير على غزة جربت اسلحة اشد فتكا فلم تقض على المقاومة وفي مؤتمر هرتسليا ثار جدل عنيف حول فقدان اسرائيل الأمان بسبب الشعور بعدم القدرة على مواجهة ما تراه اسرائيل خطرا على وجودها مما استدعى بروز اصوات في اسرائيل الى الشروع في سباق تسلح جديد، لتدور دولة الاحتلال من جديد في دورة مفرغة من اليأس وعدم الشعور بالأمان.
وحتى الآن مازال العرب يتمسكون باهداب الصبر على امل ان تقتنع اسرائيل بان درب السلام هو الدرب الوحيد الذي يضمن سلامة اسرائيل ويؤمن وجود الاسرائيليين وسط هذا المحيط العربي الذي تسعى اسرائيل دون جدوى للقضاء عليه او على الاقل احتوائه وتطويق مشروعاته الحضارية.
والرسالة الواضحة امام اسرائيل الآن انه لو امتلكت كل اسلحة العالم فلن تستطيع تطويع العرب او الفلسطينيين فرغم الثمن الباهظ الذي دفعه العرب بسبب وجود اسرائيل وما جرته على المنطقة والعالم من ويلات الا انهم الطرف الوحيد القادر على توفير مناخ السلم والامن لكل سكان الشرق الاوسط، ومن ثم فإن على الاسرائيليين التفاهم مع محيطهم العربي حتى لا يزدادوا غرقا على غرق.
لقد تقادم العهد على نظريات كانت تزعم ان المنطقة العربية يمكن الهيمنة عليها بزرع اسرائيل في خاصرتها، لكن قرنا من الصمود العربي والتجارب المحبطة للغرب الداعم لاسرائيل يزيد العرب وعيا بحساسية موقفهم وحتمية الاستعداد للمواجهة بشتى الوسائل، وها هي قدرة الغرب على الدعم لاسرائيل تتضعضع لاسباب عدة وتحولات استراتيجية في موازين القوة الدولية ولا طريق امام اسرائيل سوى التسوية التي تضمن حقوق كل اطراف العملية السلمية وفي مقدمتهم الفسلطينيون.
