سؤال طرحه أحد الباحثين الأميركيين حينما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فأنتج تساؤله كتاباً فخماً كان عبارة عن أطروحة للدكتوراة، أما الكتاب فهو «حقيقة كامب ديفيد: الوقائع الخفية لانهيار عملية السلام في الشرق الأوسط.» أما كاتبه فليس طالباً أميركياً عادياً للدكتوراه، ممن تكتظ بهم جامعات الولايات المتحدة الأميركية التي لا حصر لها ولا عد، فهو كلايتون سويشر.
يعمل في قسم الأمن الدبلوماسي في الخارجية الأميركية، قام بزيارات عديدة إلى المنطقة وقابل الكثير من القادة العرب والإسرائيليين. ويبدو من أطروحته أن الأبواب كانت مفتوحة بالنسبة له لمقابلة كبار الشخصيات التي لعبت أدوراً مهمة في مؤتمر جنيف الذي عقد في العام 2000 بين سوريا وإسرائيل.
وتلك الشخصيات التي كان لها الكلمة الفصل في مؤتمر كامب ديفيد الثاني والذي عقد في نفس العام وحضره كل من الراعي بيل كلنتون وايهود باراك والمرحوم ياسر عرفات. لقد قابل سويشر أربعين شخصاً من هؤلاء، أصر البعض منهم على إبقاء أسمائهم غير معلنة، فكانت حصيلة تلك المقابلات 500 صفحة من الشهادات الحية.
يقول الكاتب انه غير وجهة نظره رأسا على عقب حول الذين يقفون في وجه سلام عادل وشامل في المنطقة، فعند فشل مؤتمر كامب ديفيد الثاني كان يعتقد أن العرب ممثلين بياسر عرفات هم المسؤولون عن ذلك، بيد أن أحداث الحادي عشر جعلته يتأمل علاقات بلده الولايات المتحدة الأميركية بالعرب والمسلمين، حيث ؟ كما يصرح ؟
«بدأت أتأمل في الأشياء الصغيرة التي شهدتها خلال أسفاري وتجاربي» ثم ليصل ببحثه الموثق إلى إلقاء اللوم على الإسرائيليين وليس العرب ؟ كما جرى الترويج له زوراً في وقته ؟ لفشل مؤتمر جنيف والمؤتمر الذي تلاه في كامب ديفيد.
ولعل النقطة المركزية في مؤلفه الفخم والمفصل والذي يجيب عن تساؤله حول سبب كراهية العرب والمسلمين لأميركا هو في جانب منه الانحياز الأميركي الكامل للجانب الإسرائيلي، حتى إنه لا يتورع ؟ وهو المواطن الأميركي العامل في السلطة ؟
من أن يتهم مواطنيه من الساسة الأميركان بأنهم في المؤتمرين وفي الاتصالات الكثيرة والعديدة كانوا «يتكلمون بلسان إسرائيلي» وليس بلسان الوسيط المحايد!! ويكثر في هذا الصدد في تسليط الضوء على الدور «التخريبي» الذي قام به دِنس روس، المنسق الخاص بالشرق الأوسط ومارتن أندك، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، وهما بالمناسبة يهوديان!!
والغريب أن أندك الذي تجنس بالجنسية الأميركية في العام الذي تقلد به كلينتون رئاسة الولايات المتحدة 1993 قد ارتقى بسرعة فائقة في السلم الوظيفي، «فبعد أسبوع واحد من حصوله على المواطنة الأميركية منح أرفع أنواع التصاريح الأمنية»... ثم قام كلنتون بتعيينه «كأول سفير أميركي يهودي لدى إسرائيل عام 1995. وكان تعيينه هذا - كما يواصل المؤلف مستغرباً ؟
استثناء على الممارسة الأمنية المطبقة عموماً في وزارة الخارجية من حيث تجنب مثل هذه التعيينات الإثنية، فهي لا تعين على سبيل المثال مواطناً أميركياً من أصل صيني كسفير لدى الصين»!! ليس هذا فحسب، فقد «شكل اليهود الأميركيون ثلثي الوفد الأميركي المفاوض في كامب ديفيد، كما يكتب سويشر (ص 281)!!
ولم يكن بيل كلنتون ذاته أفضل من طاقمه في التعامل مع الرئيس حافظ الأسد في مؤتمر جنيف أو مع عرفات في كامب ديفيد، من قبيل قوله لعرفات في أحد الاجتماعات «أنت تعيق المفاوضات ولا تتصرف بنية حسنة» (ص280) أو دفاعه عن باراك وقوله أن «إسرائيل لن تتخلى أبداً عن السيادة على القدس الشرقية. لدى باراك الكثير من المشاكل فيما يتعلق بالقدس» (ص267) يقصد مزايدة اليمين بقيادة شارون على مواقفه وتصلبهم حيال القدس الموحدة كعاصمة أبدية لدولة إسرائيل!!
يؤكد المؤلف ؟ وعلى عكس ما أشاعت الدعاية الأميركية والصهيونية ؟ أن العرب دخلوا المفاوضات برغبة عارمة في إنهاء الصراع بين الطرفين وإحلال السلام الدائم بينهما، في حين كان يهود باراك متردداً في اتخاذ خطوات تاريخية ولعل السبب الأكبر في ذلك ضعف حكومته الائتلافية وخوفه من مزايدات اليمين.
فمشاركة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في مؤتمر جنيف شخصياً إنما أتت بعد تأكيدات لا يرقي إليها الشك من الوسيط الأميركي بأن الإسرائيليين مستعدون للانسحاب إلى خطوط الرابع من يونيو للعام 1967. بيد أن ما حدث في مؤتمر جنيف كان خديعة من باراك وتراجعاً حيث طرح على الأسد صفقة كان يعلم علم اليقين إنه سيرفضها، وهكذا فشلت تلك المفاوضات!!
أما الفلسطينيون فإنهم كانوا راغبين في السلام منذ العام 1988 حينما اعترفوا بالقرار 242 الذي يعطي لكل دول المنطقة الحق في البقاء، وهو يعني عملياً أن الفلسطينيين قد تنازلوا عن 78% من مساحة فلسطين التاريخية، وأن مفاوضات أوسلو كانت على بقية الأرض الفلسطينية (22%)، وهم قد عدلوا ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية وألغوا منه الكفاح المسلح لإبداء حسن النية.
ثم تلكأت إسرائيل في الانسحاب الموعود وفي الحل النهائي خلال سنوات سبع، كان دنس روس المنسق والمفاوض الرئيسي بين الطرفين فيها. وكانت كامب ديفيد الفرصة الأخيرة لطرح كل القضايا الصعبة، ولكن كانت مواقف باراك في ذلك المؤتمر هي نفس مواقفه حينما أعلن بعد اعتلائه للسلطة بأن القدس ستبقى العاصمة الأبدية لإسرائيل، وبأنه لن يرجع إلى حدود 1967 وبأن الكتل الاستيطانية ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية!!.
