فيما تتواصل المناقشات والحوارات حول سبل حل أزمة الملف النووي الإيراني، ويحتدم الخلاف بين روسيا و الغرب حول تشديد العقوبات ضد إيران لإجبارها على الامتثال لطلبات المجتمع الدولي، أو استخدام القوة. بدأت تتنامي قناعة لدى أوساط سياسية مختلفة، أن طهران نجحت في تنفيذ برنامجها السلمي و الدفاعي، دون أن تصل بالعالم إلى هاوية الصدامات العسكرية لتفرض نفسها على المعادلة الدولية من خلال موقع جديد.
ومما لاشك فيه أن تفاقم حدة الأزمة المالية العالمية، ووصول الديمقراطيين إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة قد لعبا دورا مؤثرا في تهدئة التوتر الناجم حول برنامج طهران النووي، التي وصلت لذروتها في السنوات الأخيرة.
فقد جدد الرئيس الأميركي المنتخب باراك اوباما تمسكه بتعهداته السابقة حول اللجوء إلى التفاوض السلمي والدبلوماسي مع إيران، لتسوية أزمة برنامجها النووي، معتبرا أن ذلك سيساعد على إيصال رسالة للشعب لإيراني مفادها أن الإدارة الأميركية تحترم آمال هذا الشعب، لكنها تشدد على «وجود معايير تحدد كيفية تصرف الجهات الدولية».
كما دعت السفيرة الأميركية الجديدة في الأمم المتحدة سوزان رايس إلى إتباع دبلوماسية «نشطة» و«مباشرة» في التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني، وأكدت على ضرورة زيادة الضغوط على طهران إذا رفضت وقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم، وجددت تمسك واشنطن بمواصلة التعاون مع السداسي الذي يضم روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، في تسوية هذه الأزمة.
ويعكس هذا الموقف تراجع واشنطن عن خطط إدارة بوش السابقة والخاصة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، للقضاء على مشروعها النووي.. سواء كان سلميا أم عسكريا. وهو ما يعبر عن أسلوب الديمقراطيين، في التعاطي مع المشاكل الدولية وحماية النفوذ الأميركي على الساحة الدولية. ويبدو أن إدارة أوباما لن تلجأ للضغوط العسكرية واستخدام القوة، وانما ستلجأ لاستخدام السلاح الاقتصادي و المتمثل في المضاربة وتقليص عائدات إيران النفطية، وهو ما يطال روسيا أيضا.
إذ يبدو واضحا أن انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية سيضر بالدرجة الأولى باقتصاد روسيا وإيران، وسيجبرهما على تقليص ميزانياتهما. في نفس الوقت الذي لا تعاني الولايات المتحدة فيه من مشاكل جدية جراء انخفاض أسعار الذهب الأسود، سوى تقلص أرباح شركاتها النفطية. إلا انها تحقق على مستوى أخر تخفيضا في تكاليف المنتجات الصناعية الأخرى والتي يمكن أن تشهد ازدهارا بسبب تناقص أسعار الطاقة.
ما يفسح المجال لزيادة حجم مبيعات المنتجات الأميركية داخليا وخارجيا، ويشكل دعما للاقتصاد الأميركي.
بل أن اوباما بدأ يمارس سياسة التقرب من العالم الإسلامي، والانفتاح على الدول الإسلامية، ما قد يمكنه من تأسيس جبهات ضغط على إيران داخل منظمة المؤتمر الإسلامي. ولم تنس الإدارة الأميركية الجديدة أن تواصل تطوير صلاتها مع سوريا الحليف الأساسي لإيران.
حيث بحث الرئيس السوري بشار الأسد مع وفد الكونغرس الأميركي العلاقات الثنائية بين سورية والولايات المتحدة وآفاق تطويرها، وأكد الأسد على أهمية التأسيس لحوار إيجابي وبناء بين سوريا والولايات المتحدة على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، واعتبر أدم سميث رئيس الوفد الأميركي أن سوريا تلعب دورا هاما في المنطقة، وأشار إلى حرص الإدارة الأميركية الجديدة على تطوير العلاقات السورية ـ الأميركية بما يخدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وسيشهد العالم منهجية أميركية جديدة لتحقيق نفس السياسات والأهداف التي سعت إدارة بوش لتحقيقها، ولكن إدارة أوباما لن تستخدم العصا الغليظة، وإنما ستستخدم القوة الاقتصادية، وإشراك كافة الأطراف في التسوية وتحقق مصالحهم. ما سيمكنها من فرض نفوذها وتنفيذ خططها الخاصة بالشرق الأوسط، وعزل إيران وإضعاف قدراتها الاقتصادية على تنفيذ برامجها وخططها.
وقد لا تتمكن روسيا من التأثير على مسار الخطة الأميركية، لأن السنوات القادمة تحمل لها مشاكل اقتصادية ستجبرها على تركيز اهتمامها على أوضاعها الداخلية لتجنب الأزمات المحتملة. خاصة أن الطريق لاستعادة النفوذ الروسي لم يعد ممهدا بعد أحداث غزة، وبعد أن فشلت الدبلوماسية الروسية في التواجد و التأثير في الحدث.