لا يمكن أن نعتبر الدولة نبتا شيطانيا يجب الإطاحة به أو القضاء عليه. فهي آخر هذه الاختراعات الإنسانية التي صمدت أمام الكثير من محاولات الإفناء وصمد معها المجتمع البشري من الفناء. ولم تستطع العقلية البشرية أن تخترع شيئا أخر يدير لها المجتمع غير الدولة التي «يناضل» البعض في مواقع كثيرة من عالمنا العربي والعالم الثالث للقضاء عليها.
فهذا الاختراع قد جيء به ليفصل بين المتحاربين وليكون طرفا محايدا بين الأطراف والجماعات المتصارعة على القوة، ولينتمي للكل وليس لأحدهما دون الآخر، حفاظا على درجة من التوازن بين الأطراف والجماعات المتباينة. وهي لذلك، وكما يقال طرف متعال عن المجتمع، أي أن تكون طرفا فوق المجتمع ولكل المجتمع.
و المعارضة هي الآخر اختراع إنساني، حاول بها المجتمع البشري أن يمارس قدرا من الضغط والضبط للدولة: لتعديل سلوكها أو لعدم حيادها وميلها أو تفضيلها لطرفا أو جماعة دون أخرى. وهذا لا يعني أن لا تمثل المعارضة أو بعضها مصالح فئوية قد تضيق كثيرا عند البعض لتأخذ أشكالا عصبوية وقد تتسع عند البعض لتمثل المجتمع بأسره. كما أن بعضها قد ينزع نحو الاستئثار بالقوة دون الآخرين. وبعضها في محاولة الاستئثار هذه قد يلجأ للقضاء على الدولة ليس كأداة ضابطة للمجتمع وإنما كآلية من آليات امتلاك القوة بكل معانيها وأشكالها ومستوياتها المختلفة.
والدولة والمعارضة في عملهما وإيقاع سلوكهما بل لنقل في خطابهما، إنما يعملان ويتشكلان من خلال ذلك الفضاء الثقافي والاجتماعي ولربما الديني المشكل لهذا السلوك والمؤسس بالتالي للخطاب الحاكم لمجمل الفعل العام. ونتيجة لذلك فإن التعابير الجديدة الداخلة علينا كتعابير السلطة والمشاركة وصناعة القرار ولربما مصطلحي الدولة والمعارضة ومنظماتهما لا تأخذ في فعلها أو تفعيلها ذات الفهم والمضمون الذي تأخذه في سياقاتها الأصلية التي جاءت منه.
و لهذا السبب يأخذ مفهوم الدولة والمعارضة في سياقنا العربي فهما مختلفا إن لم يكن في بعضه متعارضا مع فعله وفهمه في مواقعه وفضاءاته الأصلية: في الغرب ولربما حتى في التجارب الآسيوية الجديدة. فالدولة في هذه السياقات لم تعد آلية لاحتكار القوة أو الاستئثار بها، وإنما باتت تمثل في هذا السياق إدارة للمجتمع، وهي إدارة قد يبرع فيها البعض وقد يفشل.
وهي لذلك ليست دائمة للبعض دون الآخرين ولذلك ابتدعوا لها آلية للتداول وسقفا لمداها الزمني ومساحة غير مفتوحة أو المطلقة لممارسة قوتها. فالإنسان الماسك بها لا يستطيع بعدها أن يقدم الجديد أو الخارق فيها. وفي مداولاتنا لمفهوم السلطة فإننا لا نجنح نحو تبني التعبير أو المفهوم العربي الضيق للسلطة القائم على الفعل في الفضاء السياسي، وإنما نقصد بها القوة الشرعية القادرة على إدارة الأشياء.
و فعل الدولة في المجتمعات الحديثة ليس قصرا على الفعل السياسي بل انه ونتيجة لطبيعة العلاقة القائمة بين الدولة والمجتمع، فأن فعل الدولة والمعارضة كذلك هو فعلا سياسيا يحمل في ذلك مضامين ثقافية واجتماعية واقتصادية ودينية.
بمعنى أنه فعل لا يتشكل فحسب بالفضاء السياسي ولا يأتي في فعله قصرا بالعمل السياسي وإنما يأتي وبشكل مكثف كذلك الفعل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذي يشكل الصورة الحضارية الذي تشكل فيه المجتمع والتي لا يمكن أن تتشكل فحسب كما هو الآن في المنطقة العربية بالفعل السياسي. وهذا التقاطع ليس تقاطعا شكليا بل أصيلا في سلوك الدولة ومعارضتها.
وهو سلوك فرضه الفضاء الثقافي الذي تشرب منه كلا الاثنين. من هنا نقول فإن المعارضة يجب ألا تقتصر في اهتمامها وفي فعلها للقضايا السياسية البحتة وأن مطالبها يجب أن تكون حضارية قبل أن تكون سياسية. فأحزاب الخضر في أوربا قد دخلت السياسة من بوابتها البيئية.
وهم في هذا يهتمون بالحدائق والترفيه والموسيقى والفن والغناء بذات اهتمامهم بإدارة شؤون الحكم أو بذات اهتمامهم بنقد الدولة. فالاهتمامات الثقافية للقائم بالفعل السياسي لا تقلل من شأن صحابه أو جماعته السياسية وإنما تُأنسن من فعلهم السياسي. ولنا عودة أخرى لذات الموضوع.
