صراحة الرئيس التركي، عبدالله غول، في نقده للوضع الفلسطيني؛ جمعت بين الصرخة والتحذير. حرصه جعله يسمّى الأشياء بأسمائها. لا مجاملة ولا تدوير زوايا. تحدّث بعتب وأسف، لوجود «دولتين فلسطينيتين»؛ وهذا «أمر مؤلم». تجاوز التسميات المتداولة ووضع النقاط على الحروف. بدأ وكأنه يقرع جرس الإنذار، في ضوء ما وصله واقع الحال، بين غزة ورام الله.
بل في ضوء المخاطر المصيرية التي ينطوي عليها، الانقسام. خاصة وأن التباعد تزداد فجوته. محاولات وقف التدهور، ما زالت متعثرة. ناهيك بمحاولات جمع الأطراف حول طاولة الحوار الوطني، المطلوب والمفقود. وحتى العدوان الإسرائيلي على غزة، بالرغم من فظائعه وخرابه ومآسيه؛ عجز عن المساهمة في رأب التصدّع الكبير. في امتداد الخلاف السياسي المتفاقم، ينشب اليوم الخلاف على أشدّه، بين «فتح» و«حماس»؛ حول إعمار غزة.
كل طرف له مشروعه وتصوّره وآلياته؛ فضلاً عن شروطه ومواصفاته. السياسة قبل إعادة البناء. حساباتها فوق كل شيء. حبل الثقة مقطوع. وفي مثل هذه الأجواء، من الطبيعي أن تزدهر صناعة التراشق وحروب الاتهامات. الأمر الذي أدّى ليس فقط إلى تعثر مساعي المصالحة، بل إلى ما يشبه شطبها من جدول الأعمال. في أحسن أحوالها، مجمّدة وحتى إشعار آخر.
في المقابل، تواصل إسرائيل تعجيزاتها، مع حصارها للقطاع. أدخلته في بازار مزايداتها الانتخابية. صارت غزة موضوع للمنافسة في التصعيد وإطلاق التهديدات ضدّها؛ بين المرشحين. يصب في هذا المجرى ويعزّزه، أن واشنطن وإلى حدّ بعيد أوروبا أيضاً، تعاملت ولا تزال، بكثير من الرخاوة مع العدوان الإسرائيلي وآثاره. بل بكثير من التهاون. المبعوث ميتشل جاء إلى المنطقة وعاد.
ما صدر عنه لم يتجاوز التوصيف، بأن الوضع «صعب ومعقّد». الوزيرة كلينتون وعدت بعودة قريبة له. طبعاً ليس قبل الانتخابات الإسرائيلية. خطابها، في أول تصريح لها إثر لقائها مع نظيرها البريطاني؛ لم تغادر مفرداته المألوف. الأوروبيون اجتمعوا، بحضور مسؤولين أميركيين، في كوبنهاجن؛ فقط للبحث في كيفية ضبط الحدود مع غزة.
أما الاستيطان، الذي طالبهم الرئيس عباس، في كلمته أمام البرلمان الأوروبي، بالعمل على وقفه؛ فيبقى كما كان، متروكا أمره لإسرائيل؛ مع الاكتفاء، بالتلميحات الخجولة والخاوية بشأنه. المدخل إلى تغيير هذا المشهد، من جوانبه الإسرائيلية والأميركية والأوروبية؛ موجود مفتاحه بيد الأطراف الفلسطينية.
عليها الإصغاء إلى المطالبات المتوالية، وآخرها كلام الرئيس التركي، بضرورة وقف لعبة الاتجاه المعاكس. الاستمرار فيها يستنزف ما تبقى؛ في حين أن الساحة اليوم بأمس الحاجة إلى المزيد من تحصين الذات. خاصة وأن عتاة اليمين العنصري في إسرائيل يتقدم بقوة نحو الحكم.
