المشهد الحالي المرير الذي وصل إليه الانقسام الفصائلي الفلسطيني على عكس إرادة الشعب الفلسطيني المغيبة، والانفصام الرسمي العربي على غير إرادة الشعب العربي المتجاهلة، والذي يتغذى كل منهما من الآخر ويغذيه، يضاعف من حدة وسرعة الاستقطاب السياسي في المنطقة العربية ويتعداها إلى المنطقة الإسلامية، بما يصل بالجميع إلى الانزلاق الخطر في اصطفافات متناقضة تواجه بعضها بأكثر من مواجهة عدوها المشترك..
و بما يضع مستقبل القضية الفلسطينية الذي سيقرر مصير كل العرب من جهة ومستقبل العمل العربي المشترك الذي سيقرر مصير كل فلسطين من جهة أخرى، بل ومستقبل التضامن العربي الإسلامي الذي يشكل عمقا استراتيجيا للأمن القومي العربي لا غنى عنه في مركز العواصف الشمالية الغربية التي تهب على كل سواحل بحار المنطقة من المحيط الأطلسي بتنسيق متكامل وعلى دورات متعاقبة، مخترقة لمقومات الأمن وعاصفة بضرورات الوحدة على المستوى الفلسطيني والعربي والإسلامي معا.
هذا المشهد الذي وصلت إليه الحالة الفلسطينية والحالة العربية المأزومة من الاستقطاب السياسي والفكري والمذهبي والتسابق غير الصحي على الأدوار سواء منها ما هو مبرر ذاتيا أو ما هو مقرر خارجيا، هو بالضبط بكل أسف وألم ما كان مقررا صهيونيا وأميركيا وأوروبيا لاختراق المنطقة العربية والإسلامية وتحويل بوصلتها لتدمير مقومات أمنها وتبديد فرص وحدتها التي هي مصدر قوتها ونهضتها لتسهيل إعادة استعمارها من جديد..
صهيونيا بالمراهنة على الانقسام الفلسطيني بين المفاوضين والمقاومين وعلى الصراع المنتظر على السلطة بين فتح وحماس، وهو ما أعلنه «شارون بعد الانسحاب من غزة بكل خبث، وأميركيا بين المعتدلين والممانعين ومحاولاتها بضم إسرائيل والمعتدلين العرب في صف واحد ضد المقاومين والممانعين العرب وهو ما أعلنته ليفني أخيرا بكل صلف، وأوروبيا منذ «سايكس ـ بيكو» من تقسيم للعالم العربي ومن جدران عازلة بين العالم العربي والعالم الإسلامي، وبين العرب والعرب، وبين المسلمين والمسلمين وبين المسلمين والعرب..
إن هذا الواقع الذي تتدحرج معه القوى السياسية الفلسطينية من المفاوضين والمقاومين، والنظم السياسية العربية من المعتدلين والممانعين بالانقسام والمواجهة فيما بينها بما يتيح الفرصة المطلوبة لعدوها للسقوط في شباك الأعداء، يتطلب من كل القوى الوطنية ومن كل النظم العربية وقفة عاجلة وعادلة مع النفس أولا لمحاولة الإجابة عن سؤال واحد.. في أي موقع يقف؟.
. مع ما يريده هو لوطنه وأمته.. أم ما يريده الصهاينة وحماتهم وتابعوهم؟..وهل ما هو عاقل وعادل الوقوف في صف المجرم القاتل أم مع الصف المقاوم للاحتلال والعدوان والحصار ولكل هذه الجرائم؟.. ومن هو العدو الذي يحتل الوطن الفلسطيني، ومن هو الذي يغتصب المقدسات الإسلامية ويسعى لهدمها؟.. وبالتالي ما هو المصدر الحقيقي لتهديد الأمن القومي والأمن الوطني؟
وفي ظل التهديدات الإسرائيلية الخطيرة باستئناف العدوان الهمجي على غزة واستمرار الحصار على الشعب الفلسطيني، يتطلب الأمر من النظم العربية العاقلة ومن القيادات الإسلامية العادلة، والنخب الثقافية الواعية، والأصوات الإعلامية الفاعلة دق أجراس الإنذار بقوة والتحرك الجاد ليكون جسرا لمنع الانقسام العربي الذي يتغذى منه الانقسام الفلسطيني ومنع الانقسام الفلسطيني الذي يغذي الانقسام العربي لاصطفاف كل الأشقاء في مواجهة الأعداء وليس في مواجهة الأشقاء.. فلا قوة لمفاوض بدون قدرة لمقاوم، ولا تأثير للاعتدال بلا ممانعة، ولا قوة للجميع بلا وحدة وطنية وبلا تضامن عربي وتكامل إسلامي عربي.