كانت أوروبا قد «اقترعت» منذ فترة مبكّرة لصالح اوباما واحتلّت صوره قبل أشهر من الانتخابات الأميركية صدر الصفحات الأولى في الجرائد والمجلاّت ونشرات الأخبار الأوروبية بدون استثناء. وكان احتفال الأوروبيين بفوزه لا مثيل له حيال وصول أي رئيس أميركي آخر إلى «البيت الأبيض».

الأسباب كثيرة وليس أقلّها الدلالات العميقة لوصول أميركي «ذي بشرة سمراء داكنة»، من أصل أفريقي، إلى رئاسة أكبر قوة في العالم اليوم. لقد تجرأ الأميركيون على أن يفعلوا ما لم تمتلك الديمقراطيات «العريقة» للأساتذة الأوروبيين الجسارة على فعله ولا يبدو أنهم سيمتلكون مثلها في الأفق المنظور. وكان اوباما قد رفع شعار «التغيير» ؛ وهو الشعار الذي تحتاجه أوروبا لاستعادة علاقات «الثقة» مع الولايات المتحدّة بعد اهتزازها أثناء السنوات الثماني الأخيرة في ظل إدارة جورج دبليو بوش.

من الواضح أن الآمال التي بعثها انتخاب اوباما رئيسا لأميركا كبيرة جدا في أوروبا لدى الرأي العام، كما لدى القادة السياسيين. وكبير هو أيضاً الخوف من «خيبة الأمل» بعدم تحقيقها. خاصة أن اوباما يتعامل مع السياسة ومتغيراتها وليس مع السحر وعالم المعجزات وتهويماته. وملعبه هو العالم القائم في الواقع بكل معطياته. إنه عالم معقّد ومهتز وفيه العديد من البؤر المشتعلة، أو القابلة للاشتعال التي لمنطقتنا حصّة هامة منها.

والأوروبيون يدركون أن أولويات اوباما هي أولا داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها حيث ترث إدارته وضعا اقتصاديا في درجة متقدمة من التردي وأزمة مالية، بدأت أميركية وغدت عالمية، لم تهدأ رياحها ولا أحد يعرف المنحى الذي تتجه فيه ولا المآل الدقيق الذي سوف تستقر إليه؛ وهل سوف تستكين أم ستتحوّل إلى عواصف؟.

ويدركون أن أولويات اوباما هي ثانيا خارج أوروبا على الصعيد العالمي. إنها في العراق وأفغانستان وإيران وحول السلام في الشرق الأوسط الذي فرض نفسه بين الأولويات «الحساسة»، لكن الملحّة، بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزّة.

وقد يكون من المفيد التذكير هنا أن الرئيس اوباما كان واضحا في تحديد أولويات السياسة الخارجية لإدارته في أول مقابلة أجراها بعد انتخابه رئيسا يوم 16 نوفمبر ـ تشرين الثاني الماضي مع قناة «سي. بي. سي».

لقد تحدث يومها عن أولوية إنجاز خطة لانسحاب القوات الأميركية من العراق، وعن زيادة الميزانية المكرّسة للحرب التي تخوضها القوات الأميركية في أفغانستان تحت غطاء الحلف الأطلسي، بل وأشار إلى عزمه القيام بمفاوضات مباشرة مع القادة الإيرانيين حول الملف النووي، وعلى ضرورة الحديث المباشر مع القادة السوريين.

فأين تقع إذن العلاقات «عبر الأطلسية» في سلّم أولويات الرئيس اوباما؟!. إنها في الواقع مرتبطة بهذه الملفات كلّها وبغيرها. هذا هو الدرس الذي يؤكد الأوروبيون على ضرورة استخلاصه من الفترتين الرئاسيتين لجورج دبليو بوش حيث أرادت واشنطن، بكثير من الغطرسة والازدراء الكامل للقانون الدولي فرض إرادتها وقانونها بعيدا عن الشركاء الأوروبيين، هذا إذا لم يكن «رغم أنفهم»، كما حدث أثناء شن الحرب على العراق في ربيع عام 2003. لم يتردد يومها وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد من نعت أوروبا بـ«القارة العجوز».

التفرّد الأميركي بالقرارات لم يكن مثمرا. بل كان فشلا كبيرا. والأولويات التي حددها اوباما هي، بقسط هام منها، تسديد لـ «فاتورات» الإرث الثقيل من الفشل المتراكم لسياسة الإدارة السابقة في العراق وأفغانستان وغيرهما.

والأوروبيون يدركون جيدا بالمقابل أن أميركا بحاجة إلى حلفاء، وأنهم حلفاؤها الطبيعيون.

وهم يبحثون عن إعادة «الحرارة» إلى العلاقات الأوروبية ـ الأميركية. هكذا بعد ثلاثة أيام فقط من انتخاب اوباما رئيسا أعدّت وزارة الخارجية الفرنسية مذكّرة «سريّة» ـ تسرّبت إلى الصحافة وجرى نشرها مؤخرا ـ من 7 صفحات وبعثتها إلى وزارات خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي الـ26 الأخرى حيث كانت فرنسا تتولّى رئاسته آنذاك. عنوان الوثيقة هو «الشراكة عبر المتوسطية». وحددت تطلعها في أن تحتوي على «مجموعة من الأدوات للتعاون المستقبلي مع المسؤولين الأميركيين الجدد».

اقترحت رئاسة الاتحاد الأوروبي ـ فرنسا آنذاك ـ فيها أن يقوم الحوار مع الولايات المتحدة حول أربعة محاور «تتناظر مع الأولويات المشتركة». وهي: «فعالية تعددية الأقطاب» على الساحة الدولية، و«الوضع في الشرقين الأوسط والأدنى» و«الوضع في أفغانستان والباكستان» وأخيرا «العلاقات مع روسيا». حول هذه المواضيع كلّها أبدت أوروبا أنها تستطيع أن تقدّم مساهماتها وقدّمت مقترحات بشأن كل منها.

اللقاء بين أوروبا وأميركا ـ اوباما مبرمج إذن على صعيد النوايا والرغبات والاهتمامات المستقبلية. لكن تبقى المشكلة الأساسية، «عقدة العقد» كما يقال، هي فيما سيطلبه الرئيس الأميركي الجديد من أوروبا وما تستطيع من ناحيتها أن تقدّمه. فماذا سيكون ردّها مثلا على طلب اوباما المنتظَر زيادة تعزيز مساهمتها العسكرية في أفغانستان ؟. مثل هذا الطلب صاغته الإدارة الأميركية السابقة، ولم تكن الإجابات الأوروبية عليه واضحة ولا محددة. وليس من السهل أن تكون كذلك في المستقبل القريب.

وهناك أسئلة كثيرة أخرى مطروحة على العلاقات الأوروبية ـ الأطلسية. فهل سيؤيد اوباما تعزيز المنظومة الدفاعية الأوروبية «المستقلّة»؟. وكيف يرى دور الحلف الأطلسي وآليات تدخله، أو عدم تدخله، في النزاعات؟. وما هو موقفه من مشروع نصب الدرع الصاروخية الأميركية وشبكات الرادار في شرق أوروبا؟. وكيف يرى معالجة الأزمة المالية العالمية وإعادة النظر في آلية عمل الهيئات المالية العالمية ونظام «بروتن وود»، كما يطلب الأوروبيون؟ورؤيته لدور أوروبا في العالم؟... الخ.

أسئلة كثيرة ولا إجابات دقيقة وفورية عليها في استراتيجية تحرّك الرئيس اوباما. ولعلّ أقصى ما يرجوه الأوروبيون اليوم منه هو أن لا يتجاهل ما يقال له من الشاطئ الأوروبي ـ الأطلسي، وأن لا يفعل مثل سابقه الذي كان يسمع ما يقوله الأوروبيون بأحد أذنيه كي «يخرج» من الأذن الأخرى.

وما يعرفه الأوروبيون اليوم هو أن زيارة اوباما الرسمية الأولى كرئيس للولايات المتحدة الأميركية ستكون إلى كندا يوم 19 فبراير الحالي ؛وأن لقاءه الأول «على انفراد» مع رئيس دولة أجنبي خصّ فيه الرئيس المكسيكي. الحديث في كندا سيكون بالضرورة «تجاريا» وفي المكسيك حول «الهجرة والمهاجرين»، أي في الحالتين يمكن اعتباره حديثا «داخليا». ولعلّ أول زيارة لأوباما إلى «خارج» القارة الأميركية قد تكون إلى مصر أو أندونيسيا كـ «إشارة» إلى العالم الإسلامي.

أوروبا لا تزال غائبة إذن من قائمة نشاطات اوباما المعروفة، إلاّ من اتصال هاتفي «قصير» ـ حسب تعبير قصر الإليزيه ـ مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وربما مثله مع غيره من القادة الأوروبيين.

لكن هذا لا يمنع واقع أن أوروبا تعلّق آمالا كبيرة على وجود أميركا قوية وذات مصداقية وليس أميركا متشككة بنفسها ويتشكك حيالها الآخرون، كما كان الحال في السنوات الأخيرة السابقة.

كاتب سوري – باريس

mohaklouf@yahoo. fr