في ثقافتنا الإنسانية المستلهمة من قيمنا الروحية أكثر من قاعدة ذهبية تقول «لا أمان لمن لا أمانة له، ولا أمانة لمن لا إيمان له»، وأخرى تقول «إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحيي دينا»..
و«حينما تنجح في التأثير على نفسك، تنجح في التأثير على الآخرين».. و«إذا أردت أن يحترمك الناس، فاحترم نفسك أولا».. و«أنت حر ما لم تضر» و«أحب لأخيك ما تحبه لنفسك وعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به».. و«ليس من الحكمة أن تتوقع حل مشاكلك من عدوك، ومن الجنون أن تطلب العون من عدوك».. و«تقول» ماحك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك»..
وفى ثقافتنا العربية الإسلامية قيم سماوية عليا تبلور القيم التي لا تلهم بالحلول العلاجية في مواجهة الأزمات فقط، بل تصنع العلاقات والظروف الوقائية التي تمنع نشوء الأزمات من الأصل، وتصيغ العلاقات بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والأوطان وفق قواعد وضوابط إنسانية ورحيمة وعادلة.
لكننا في صياغة حياتنا وسياساتنا واقتصادنا ومجتمعنا قد ندرك صحتها أحيانا لكننا غالبا لا نطبقها ولا نحيلها إلى أفكار وفلسفات وسلوكيات بالفصل بين قيم ديننا وأسلوب حياتنا، وبين مبادئنا ومصالحنا، وبين وسائلنا وغاياتنا، وهذا سر عجزنا عن التأثير في غيرنا وبالتالي سر قابليتنا للتأثر بغيرنا، وسر تخلفنا وضعفنا وتبعيتنا.
.. وتنبع ثقافة الشخص من مجموعة قيمه الأساسية التي تبدع أفكاره الإنسانية وتصنع سلوكياته الحياتية، وتحدد طبيعة علاقته بذاته وبالآخر، وباختلاف القيم تختلف الثقافات والأفكار والفلسفات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية اختلافا قد يتصادم أو يتناقض أو يتعايش، لذلك ظل عالمنا عبر مراحله التاريخية المختلفة حافل باختلاف الثقافات تبعاً لاختلاف المنابع وبالتالي اختلاف التوجهات من مجتمع إلى مجتمع ومن حضارة إلى حضارة..
وفى النهاية هناك ثقافة صحيحة تمنع الأزمات وهناك ثقافة مريضة تصنع الأزمات.. لكن الكارثة الحقيقية تقع مع قيادة الثقافة المريضة للعالم وسعيها لعولمته!
الثقافة المريضة بأعراض الظلم والاستعلاء والعدوان والأنانية والطمع والاستغلال والنصب والكذب لتحقيق مصلحة فرد على حساب فرد أو طبقة على حساب طبقة أو حزب على حساب حزب، أو عرق على حساب عرق، أو وطن على حساب وطن.. وهى الثقافة التي لا تربط بين المصالح المشروعة والمبادئ المشروعة..
وهى التي تنتهج مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» فلا تربط بين شرف الغاية وشرف الوسيلة، فلا تأبه بظلم الغير ولا بخداعه لتحقيق المصلحة،والثقافة الأيديولوجية العرقية أو المذهبية المتعصبة والأنانية المستعلية المريضة هي التي سببت وتسبب للعالم الحروب والكوارث والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي هي في جوهرها أزمة ثقافية.
وما الحروب الصليبية، أو الغزوات الأوروبية الاستعمارية،أو الدعوات النازية والفاشية، أو الشيوعية غير الديمقراطية والرأسمالية غير الإنسانية، أو الحروب الصهيونية الهمجية والعدوانية الأميركية على البلاد العربية والإسلامية، أو المواقف الأوروبية المتناقضة ذات المعايير المزدوجة والمتعددة من مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية، وأخيرا ما الأزمة المالية الأميركية بآثارها الاقتصادية المرضية إلا نماذج لثقافات مريضة بقيم وفلسفات وسلوكيات مريضة. غير أن الصحة معدية بالصحة مثلما يعدى المرض !