من تابع أداء أوباما طوال الأسبوع الأول بعد توليه الحكم يدرك أن الرئيس الجديد يعي تماما أنه لا يوجد خط فاصل بين سياسة بلاده الخارجية والداخلية وأن السياسة الداخلية الأميركية مثلها مثل الخارجية تؤثر على كيفية رؤية العالم لبلاده. فانهيار هيبة الولايات المتحدة في العالم في عهد سلفه لم يكن راجعا فقط إلى انتهاج سياسات خارجية فاشلة وتبني القوة الغاشمة باعتبارها الوسيلة الأولى لتنفيذ تلك السياسة.
وإنما كان راجعا أيضاً للقصف المنظم الذي تعرضت له الديمقراطية الأميركية في الداخل. ففي الأعوام الثمانية الأخيرة كانت الإدارة الجمهورية تتصرف وكأنها فوق القانون ولم تنتهك فقط القانون الدولي وإنما القانون الأميركي نفسه. وفي الوقت الذي لم يكف فيه فريق بوش عن التبشير بتصدير الديمقراطية للعالم كان الانقضاض على الحريات المدنية قد وصل لمستويات غير مسبوقة داخل أميركا نفسها.
ومن هنا، لم تكن مصادفة أن يكون القرار التنفيذي الأول للرئيس الجديد يتعلق بالشفافية في العمل السياسي بعد سنوات من التعتيم والسرية باسم حماية الأمن القومي والمحاباة السياسية للموالين أيديولوجيا وحزبيا على حساب الكفاءة. وكان من أولى القرارات أيضاً ذلك الذي تعلق بإغلاق معتقل جوانتانامو والتخلص من السجون السرية التي كانت الولايات المتحدة الأميركية قد أنشأتها في عهد بوش وراحت ترسل لها من تعتقلهم في جنح الظلام دون أن يعرف أحد شيئا عن المسألة برمتها.
غير أن واحدة من أهم الخطوات التي اتخذها الرئيس الجديد بعد توليه كانت الزيارة التي قام بها لمقر وزارة الخارجية خصوصا أنه اختار أن تكون هي الوزارة الأولى التي يذهب إليها وبعد توليه مباشرة. ومن هنا حملت تلك الزيارة عددا من الرسائل المهمة، أولها أن أوباما عازم على وضع حد لعسكرة السياسة الخارجية.
فمن المعروف أن المركب العسكري الصناعي قد لعب تقليديا دورا مهما في صنع السياسة الخارجية الأميركية، إلا أن هذا الدور كان قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة في عهد بوش بل إن وزارة الدفاع راحت تقوم في عهده ليس فقط بصنع السياسة وإنما بتولي مهام كانت تقليديا من صميم أدوار وزارة الخارجية.
ووزارة الخارجية الأميركية ضمت تقليديا كوادر دبلوماسية وفنية راكمت عبر عقود طويلة خبرات لا يستهان بها بشأن المناطق المختلفة من العالم. غير أن دور هؤلاء كان قد تم تهميشه بالكامل في عهد بوش، ولم يتم الاستعانة بخبراتهم في صنع السياسة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض غير مسبوق في معنويات العاملين بالوزارة وصل في أحيان كثيرة إلى استقالات وتقاعد مبكر عن العمل. ومن هنا كانت الرسالة الثانية التي حملتها زيارة أوباما. فهي لم تكن فقط بمثابة رد اعتبار للدبلوماسية الأميركية وإنما رد الاعتبار للعاملين في الوزارة عموما والاعتراف بأهمية دورهم في صنع سياسة بلادهم وتنفيذها.
أما الرسالة الثالثة فكانت تتعلق بطبيعة أدوار الفاعلين الجدد في صنع السياسة الخارجية. فليس سرا أن اختيار أوباما لهيلاري كلينتون لتتولى منصب وزيرة الخارجية أثار الكثير من الأسئلة والتكهنات في واشنطن وخارجها. فهيلاري شخصية قوية صعبة المراس وصاحبة آراء مستقلة في الكثير من القضايا الخارجية هذا فضلا عن أنها زوجة رئيس سابق راكمت بحكم دورها أثناء إدارته ثم بحكم عملها في مجلس الشيوخ علاقات مع الكثير من الرموز والزعامات الدولية.
ومن ثم كانت التساؤلات تدور حول حجم الدور الذي سوف تلعبه هيلاري مقابل دور الفاعلين الآخرين. وقد جاء رد أوباما سريعا فكانت الإجابة أن كلينتون تحظى بدعمه ولكنها واحدة ضمن فريق عمل السياسة الخارجية. فأوباما الذي ذهب بنفسه للوزارة صحب معه نائبه صاحب الخبرة الطويلة في السياسة الخارجية.
غير أن الرسالة الأهم على الإطلاق كانت أن أوباما شخصيا سيكون صاحب الكلمة الأخيرة في صنع السياسة الخارجية لبلاده. بعبارة أخرى، أراد أوباما أن يقول للعالم من مقر وزارة الخارجية الأميركية أنه هو شخصيا سيكون المحرك للسياسة الخارجية، وإن كانت هيلاري ووزارة الخارجية من ورائها تحظيان بدعمه وتأييده.
لكن أوباما وجه أيضاً رسائل خاصة لكل منطقة من العالم وكان واضحا أن الشرق الأوسط يحظى باهتمام معتبر لديه. فالإعلان عن اختيار جورج ميتشل مبعوثا للشرق الأوسط كان بادرة مهمة. فمن ناحية كان ذلك الإعلان في الأسبوع الأول من عمر الإدارة الجديدة تعبيرا عن احتلال قضايا الشرق الأوسط مكانة متقدمة في اهتمامات الرئيس الجديد. ومن ناحية أخرى وقع الاختيار على شخصية معروفة لدى كل الأطراف في المنطقة وسبق لها العمل معهم.
لكن لعل أهم ما جاء به ميتشل إلى المنطقة هو توصية من أوباما بأن يستمع أكثر مما يتحدث. فالمنطقة تعيش الآن على فوهة بركان بعد مذابح غزة وهي تشهد لحظة حرجة حيث الانقسام الفلسطيني من ناحية والانتخابات الإسرائيلية من ناحية أخرى يعنيان معا أن الكرة في الواقع في ملعب الفاعلين في المنطقة لا في ملعب إدارة أوباما، ودون أن يعني ذلك بأي حال تخليا عن دعم إسرائيل.
بعبارة أخرى، فإن حصيلة الأسبوع الأول للإدارة الجديدة تحمل دلالات مهمة تؤكد أن الإدارة الجديدة تفتح أبوابا كانت موصدة في عهد بوش لكن ما لم تكن هناك أجندة عربية واضحة تفرض نفسها فرضا فلن يكون هناك مايدعو أوباما ؟ السياسي البرجماتى- لاستخدام رصيده السياسي من أجل قضية يلعب أطرافها دور المتلقي لا الفاعل، إذ سيفضل عندئذ أن يوفر رصيده السياسي لمعركة أخرى من المعارك الكثيرة التي سوف تفرض عليه.
كاتبة مصرية