مازال الوضع الفلسطيني يعيش تداعيات الحرب الصهيونية التدميرية على غزة وإشكالاتها المتفاقمة، التي تفعل فعلها في الواقع ما لم يحدث ما يغيرها. ولعل أهم إشكالية تواجه قوى المقاومة الفلسطينية، التي تعارض لأسباب مختلفة، ومن مواقع مختلفة، ولأهداف مختلفة السلطة الفلسطينية، هي إعادة بناء وحدة منظمة التحرير الفلسطينية في مقدمتها.

والحال هذه، فقد كشف رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل يوم الأربعاء الماضي عن تحرك تقوم به الفصائل الفلسطينية الثمانية المقيمة في دمشق «لبناء مرجعية وطنية تمثل فلسطينيي الداخل والخارج، وتضم جميع القوى الوطنية الفلسطينية وقوى الشعب وتياراته». وأكد أن «منظمة التحرير الفلسطينية في حالتها الراهنة لم تعد تمثل مرجعية الفلسطينيين وتحولت إلى إدارة لانقسام البيت الفلسطيني».

ومن جهتها أصدرت، الرئاسة الفلسطينية بياناً جاء فيه: «إن الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه الوطنية لن يقبلوا بأي بدائل مصطنعة عن منظمة التحرير الفلسطينية.. إن ما جاء على لسان خالد مشعل ومن يدور في فلكه لبناء مرجعية وهمية بديلة للمنظمة لن تكون وطنية أو فلسطينية.

وستلقى ذات المصير الأسود الذي لاقته محاولات كثيرة من قبل برعاية إقليمية معروفة الأهداف والمرامي للانقضاض على منظمة التحرير الفلسطينية وتدمير مكانتها وصفتها التمثيلية ووحدانيتها في تمثيل شعب فلسطين في مشارق الأرض ومغاربها».

وتعود الجذور التاريخية للخلافات بين السلطة الفلسطينية المنبثقة من اتفاق أوسلو، وبين حركة «حماس»إلى عقد الثمانينات من القرن الماضي، حين كان الخلاف متمحوراً على دور منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها.

ولم تكن حركة حماس، ولا حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، عضوين في منظمة التحرير الفلسطينية، ولم تشاركا في صياغة ميثاق المنظمة، ولهما عليه تحفظ عام هو إغفاله للبعد الإسلامي للقضية، ونزوله من ميثاق قومي إلى ميثاق وطني ينحصر في الإقليمي الضيق.

في السياق التاريخي، تعتبر منظمة التحرير الفلسطينية التي تشكلت في عام 1964، التجسيد المادي للكيانية السياسية الفلسطينية، من حيث وجود قيادة ومؤسسات. كما أن الميثاق الوطني الفلسطيني شكل مرجعية وطنية وحيدة تحتكم إليها معظم فصائل المقاومة الفلسطينية، بما فيها الحركة الإسلامية.

فقد حدد الميثاق الوطني الإستراتيجية والهدف للعمل الوطني الفلسطيني، فكانت بداية استراتيجية الكفاح المسلح ثم بالتدريج ومن خلال صياغات تحويرية ومبطنة تم الانتقال من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي على أرضية خط التسوية.

هذا التحول في الإستراتيجية رافقه أو بالأدق كان نتيجة استعداد لتعديل الأهداف، من تحرير فلسطين كلها إلى القبول بدولة على أساس الشرعية الدولية. وكانت نتيجة تبني نهج التسوية، التوقيع على اتفاق أوسلو، الذي أصبح المرجعية الوحيدة للسلطة الفلسطينية، بعد تعديل أو إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني.

وفضلاً عن ذلك، ينبع رفض الحركة الإسلامية بشقيها « حماس» و«الجهاد»، لاتفاق أوسلو، وبالتالي لإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني، من قناعتها أن الرئيس الراحل عرفات حين أقدم على هاتين الخطوتين الخطيرتين في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، إنما أسقط بذلك كلياً النظام السياسي الفلسطيني الذي كان قائماً قبل أوسلو، بوصفه نظام حركة تحرر وطني تناضل من خارج أراضيها، من أجل تحرير فلسطين كلها، حيث كانت منظمة التحرير الفلسطينية تمثل العمود الفقري لهذا النظام السياسي، الذي كان خاضعاً إلى حد كبير لتدخلات القوى الإقليمية الفاعلة لجهة رسم سياساته وحركاته السياسية منذ تشكله.

بعد أن وصلت التسوية على صعيد المسار الفلسطيني – الإسرائيلي إلى مأزقها المحتوم فقدت المنظمة وظيفتها الجوهرية، بعد فشلها في الدعوة إلى مشروع وطني قادر وفاعل، فلقد ظلت بلا أهداف واضحة محددة، وبدون استراتيجية دقيقة ومتكاملة تضبط حركتها وتحدد اتجاهها وتفرض خيارات لا جدال فيها.

والفصائل الفلسطينية على اختلاف اتجاهاتها السياسية، وتبايناتها الإيديولوجية لها مصلحة في هذا التحرك لإنقاذ الوضع الفلسطيني، غير أن البعض يرى في استعادة وحدة م.ت.ف. المدخل والهدف، بينما يخشى البعض الآخر أن يكون في هذه الوحدة كمين لتدميره والبعض يرى نفسه الأستاذ ويرفض الفكرة من أساسها، ويعتبر نفسه أنه الفصيل الرافض والقائد.

وفي الواقع، فإن حركة «حماس»تعتقد أنه بالإمكان الخروج من الأزمة حسب قياساتها الخاصة، مع أن الأمر عكس ذلك تماماً، فطبيعة وجوهر الأزمة في الساحة الفلسطينية تفرض مساحات أعرض وأطول لجهة إنقاذ الوضع الفلسطيني، تتسع للقوى الديمقراطية والقومية والإسلامية.

كاتب تونسي

w.pal_sc@yahoo.com