ثمة حالة من انفصام الشخصية (السكيزوفرينيا) تعتري المشهد العام في منطقتنا، ترسخت بشكل خاص بعد انخفاض وتيرة العنف المسلح والدموي على جبهة غزة. المشهد الأول من ذلك الانفصام يصدمنا بحالة التشتت والضياع التي تميّز المرحلة الناشئة وسعي كل الأطراف المعنية للإمعان قدر الإمكان بسياسة الاستفادة الذاتية منها تحقيقا لأغراض وأهداف لا علاقة لها بالتطور الشامل المفترض تحقيقه خدمة لمصالح الشعب والوطن أولا.

فالمشهد الفلسطيني تحديدا لا يزال مشتتا ومنقسما على نفسه بدلا من أن يستفيد من الحرب الأخيرة التي كانت أصلا نتيجة للتباعد السياسي القائم بين الفرقاء المعنيين. وكما بدا من التصريحات والمناورات الفلسطينية الأخيرة التي رصدناها منذ انكفاء آلة العدوان الإسرائيلي، فأن الساحة الفلسطينية مقبلة على مزيد من الشرخ الذي لا يعرف أحد أين ستقف نتائجه المدمّرة.

المشهد الثاني الذي يمثل حالة السكيزوفرينيا يذكّرنا لحد كبير بما شهدناه سابقا بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006. فهؤلاء الذين يلعبون أدوارهم المختلفة في هذا المشهد، بإتقان شديد أحيانا وغباء سياسي أحيانا أخرى، يحاولون تطميننا بأن ما تم تحقيقه في غزة هو ذلك النصر الكبير الذي يطمح إليه أبناء الأمة، بغض النظر عن الآلام الكثيرة التي شهدناها، وفظاعة المأساة التي لا يمكن وصفها بكلمات قليلة.

أنه بالتالي نصر يجب تكراره دائما، لكن وفق حساباتهم الذاتية الحزبية لا استنادا لمشروع شامل يتوافق بالدرجة الرئيسية مع تطلعات الشعب بكافة مكوناته وتلاوينه. وانطلاقا من هذه الحتمية المترسخة في أذهانهم، يسمحون لأنفسهم برسم التكتيكات الجديدة الخارجة عن حالة الإجماع الوطني المتفق عليها سابقا، وإطلاق صفة الخيانة على سياسيي الطرف الآخر دون رقيب أو حسيب، وكأنهم بذلك يريدون فرض نشوة انتصارهم المزعوم على أبناء جلدتهم لا على العدو المعروف الذي كان يقتلهم بتلذذ قبل أيام قليلة.

إذا، حالة السكيزوفرينيا متجلية في التباين الواضح في كيفية رسم التكتيك والاستراتيجيا وإقناع الجمهور المراقب بصحة الأداء. أنه بكل تأكيد أحد أبرز مكونات حالة الفشل في أي مجتمع سياسي مستقر، فما بالك إذا كان الأمر مرتبطا بمجتمع سياسي هش كذلك القائم في قسمي فلسطين حاليا.

في هذا السياق يجب التأكيد على مسألة جوهرية وغاية في الأهمية، وهو أن الخلاف مع أقطاب مشهد السكيزوفرينيا ليس في طريقة فهم حالة الانتصار المسوّق لها حاليا، لأن الصمود الفلسطيني كالصمود اللبناني قبل ذلك، يعتبر بجميع الأحوال انتصارا بغض النظر عن المفاهيم الآيديولوجية الكثيرة التي تحكم تفكير كل شخص منّا وتقرر عنه فيما إذا كان من المنطقي اعتبار ما جرى انتصارا أم لا.

لكن يجب أولا وأخيرا التأكيد على حقيقة صارخة في معانيها، وهو أن الشعب الغزّاوي كان المنتصر الوحيد في المعركة الأخيرة، لا أي طرف آخر. فهو الذي ضحّى وعانى وذاق الأمرّين، وهو الذي قُتل وشُرّد ودُمّرت منازله، وهو أيضاً الذي احتضن من كان يقاوم بإرادة صلبة مجرّدة من أية اعتبارات حزبية ضيّقة، وهو في نهاية المطاف من سيحدد المستقبل السياسي لهؤلاء المنقسمين اليوم.

هكذا كان الأمر دائما وهكذا سيكون في المستقبل، فلا يعتقدنّ أحد بأنه سيكون قادر على كسر إرادة الشعب وتحقيق أهدافه الحزبية الخاصة انطلاقا من نشوة انتصارية وهمية أو مبالغ بها على الأقل.

في هذا السياق يجب تحديد جملة من المشاهد المرافقة التي حفلت بها المنطقة ارتباطا بتطورات مرحلة ما بعد الحرب على غزة، وقد شكّلت في الغالب محور الحركة التي ستحدد في المستقبل القريب معالم الأداء الدبلوماسي والسياسي لأكثر من طرف.

في الدرجة الأول برزت التصريحات الفريدة للسيد خالد مشعل والتي وعد من خلالها بما وصفها بالمفاجئة التي سيزفّها إلى الشعب الفلسطيني في ما يتعلق بالمرجعية الجديدة التي ستمثله خلال الحقبة المقبلة.

وحسب ما فهمنا من تلك التصريحات، فأن الهدف الرئيسي من التحركات الجارية حاليا هو سحب البساط من تحت أقدام منظمة التحرير الفلسطينية واستبدالها بمنظمة أو مؤسسة أخرى جاري تشكيلها وراء الكواليس، بحيث تتمثل فيها القوى الأخرى المتعاطفة مع حركة حماس وغيرها من مكونات المجتمع الحالي في قطاع غزة. إن أقل ما يمكن أن يقال في خطوة من هذا القبيل هو أنها لن تساهم سوى بزيادة الشرخ الفلسطيني، وتأطير الشعب في أتون صراع داخلي لن يستفيد منه سوى أعداءه.

أما إذا أردنا أن نكون صريحين ومجرّدين من أية تعابير دبلوماسية، فنقول بأن خطوة كهذه ستساهم بإلحاق الهزيمة الأكبر للقضية الفلسطينية، خصوصا وأن أطرافا رئيسية في حركة النضال الفلسطيني الوطني مثل فتح والجبهة الشعبية، قد رفضتا بشكل قاطع هذه الفكرة لاقتناعهما التام بأن المنظمة تبقى الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

إن حالة السكيزوفرينيا المتمثلة في المشهد الأخير تتجسد بسعي البعض لإبداء حرص على تحقيق الوحدة الوطنية، لكنهم يقومون في نفس الوقت بخطوات ستساهم بتحقيق النقيض التام لذلك.

لا نريد لفلسطين أن (تنعم) بما جرى حتى الآن من تقسيم وتشتت وإرباك لساحة العمل النضالي بشتى فروعها، ولا نريد للمآسي السياسية التي جرت في لبنان بعد حرب تموز أن تتكرر أيضاً في فلسطين. وكما يبدو من المؤشرات الكثيرة في الوضع الدولي فأن المرحلة المقبلة ستشهد تغييرات كثيرة في ما يخص تعامل القوى العظمى مع قضية الشرق الأوسط، وهذا بالتالي يتطلب من الجميع تضامنا حقيقيا بعيدا عن الاعتبارات الضيقة والهامشية.

أما إذا كان البعض مقتنعا بأنه الممثل الوحيد لتطلعات الشعب وأمانيه، فلم يعد بإمكانه سوى الاحتكام مجددا للّعبة الديمقراطية وصناديق الاقتراع.. لعلّها تكون قادرة هذه المرة على إقناع الجميع بحجمه الشعبي الحقيقي.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz