تجدّد حرب التراشق بين «فتح» و«حماس»، وصل هذه المرة إلى حدّ ملامسة منطقة العصب الحساس. لم يسبق أن بلغ تخوم ما كان بمثابة الممنوع إنزاله إلى ساحة التداول وما فيها من شروط ومناورات وبدائل محتملة. منظمة التحرير الفلسطينية، كانت دوماً ومن الأساس، الوعاء الوطني للقضية؛ كما لكافة قواها الفاعلة. التوافق حول مرجعيتها، بقي باستمرار فوق الخلافات والتباينات السياسية، المشروعة. من دون أن يعني ذلك أنها فوق التطوير.
وبذلك احتفظت لنفسها بالموقع الجامع. اللغط الذي دار حولها، في الأيام الأخيرة، من وراء الميكروفونات؛ ما كان في وقته ولا في مكانه، بقطع النظر عن جدارة ما قيل ومقاصده وسياقاته. ليس لموضوع المنظمة أولوية، في اللحظة الراهنة. البحث في جوانبه التصحيحية، له مشروعيته. لكن ليس له طابع العجلة.
غزة لم تفرغ بعد من لملمة جراحها. سيف استئناف العدوان، مسلّط فوق رأسها. الهدنة هشة. الغارات الإسرائيلية تعاود عملياتها. أولمرت يهدّد بالأشد والأقسى. الوزيرة ليفني، تستعجل العودة إلى لغة الحديد والنار. وسط هذه الأجواء الملتهبة، يطل هذا الملف برأسه، ليشعل الجدل ويزيد من حدة الانقسام. بل ليهدّد، إذا ما بقي على هذا المنحى، بحصول انهيارات أعمق. وربما بحصول انسلاخات خطيرة، في الجسم الوطني الفلسطيني.
ثمة إشكالية بالغة الخطورة، يعيشها الوضع الفلسطيني؛ في هذه اللحظة الفاصلة. فهو ينتقل من مشكلة إلى أخرى؛ أشد وأدهى، داخل بيته. وكل واحدة مشتقة من التي سبقتها. مشهد تتعزّز فيه دينامية التآكل الذاتي؛ وعلى نحو يهدّد ليس كافة الأطراف والمواقع فحسب، بل أيضاً القضية برمتها. كرة من ثلج الخسائر، تتدحرج وتكبر، على غير انقطاع.
والأنكى، أن هذا التردّي يتفاعل، في نفس اللحظة التي تنفلت فيها عدوانية إسرائيل؛ على مداها. وكأن الدولة العبرية على موعد مع الحظّ، بأعلى درجاته. أو كأن الوضع الفلسطيني متواطئ على نفسه، دون أن يدري. فهو ينزلق أكثر فأكثر نحو اللاعودة، في صراعاته وافتراقاته.
ومع الاندفاع المتوالي في هذه الطريق، تتضاءل إمكانية الاستلحاق، لوقف التدهور. الشروط والشروط المضادة، تغذي بعضها. وكلها تغذي تعميق الشرخ ونسف جسور العودة. يتبدّى ذلك جلياً في العقبات المتزايدة التي تعترض محاولات تركيب طاولة الحوار الوطني.
الأخطاء القاتلة في ترتيب الأولويات وفي الحسابات، أدّى بالساحة الفلسطينية إلى ما هي عليه الآن من سرعة عطب، مفتوح على مجازفات انتحارية. يزيد الطين بلّة، أن هذا الخطر الجوّاني يتفاقم، فيما تتواصل العدوانية الإسرائيلية بكافة أشكالها، في غزة والضفة أيضاً.
