في حديث مع تجار في الدولة عن تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على الإمارات، تحدث بعضهم من قطاعات مختلفة عن همومهم واستيائهم من عدم وضوح الرؤية بالنسبة للمرحلة المقبل في ظل استمرار هذه الأزمة، وما ترتب عليها من انخفاض أرباحهم وتراجع أعمالهم، هذا بالإضافة إلى عدم قدرة العديد منهم على استرداد سيولتهم المطروحة في الأسواق، وهو ما قد ينذر بأزمات أكبر يتحملونها وربما يعجزون عن مواجهتها ان استمر الحال على ما هو عليه.
نبرة الحديث مع التجار عن الأزمة الاقتصادية لا تختلف عن النبرة التي يتحدث بها صغار الموظفين الذين أصبح أكثرهم يخشى إقالته من عمله، ويخشى استمرار سياسة البنوك الاقراضية التي ضيقت على المستفيدين منها من خلال رفع نسبة الفائدة أو فرض المزيد من الشروط، وهو ما يؤكد حقيقة قلق الجميع من تداعيات الأزمة المالية وسعيهم للعثور على بوصلة تحدد اتجاههم فيها أفراداً كانوا أو حتى شركات.
فالكل يبحث عن مصالحه ويسعى لحمايتها ويسعى للنأي بنفسه عن أية أضرار محتملة، وطريقة البحث هذه قد تحدث أزمة أكبر في الإمارات لأن الحلول لن تكون مجدية أو منصفة لاسيما أن اجتهدت الغالبية في الضغط من أجل سيولة تضخها الحكومة في المصارف والأسواق، أو سيولة تتنازل عنها من خلال خفض التكاليف والنفقات.
وهو ما لا نعارضه أن كان أحد الحلول باعتبار انه من حقوق الشعب الذي يتطلع لمبادرات حكومية تدعم الاقتصاد الوطني، لكن هذا النوع من الدعم لابد وان يكون وفق دراسات ومشاورات بين مختلف القطاعات حكومية، محلية واتحادية، وقطاعات خاصة للحفاظ على مكتسبات مرحلة سابقة، والصمود في مرحلة مقبلة في منظومة اتحادية وطنية.
منذ أيام قال المهندس سلطان بن سعيد المنصوري، وزير الاقتصاد خلال اجتماعه مع مختلف الفعاليات الاقتصادية في الدولة إن تنسيق وتوحيد الجهود بين الجهات الاتحادية والمحلية مهم للحد من تأثيرات الأزمة المالية العالمية على الدولة. وتصريحات الوزير لابد وان تدفع نحو الاستفادة من تجربة الاتحاد الذي قامت عليه الإمارات والذي ينبغي أن يوحد للصفوف اليوم بصورة أكبر دون تفريق بين إمارة وأخرى حتى وان كان بعضها متفوقاً بمدخراته وأصوله، فنحن عندما نتحدث عن أزمة لابد وان نتحدث عن دولة ككل وليس كأجزاء.
التعامل مع الأزمة بشفافية مطلب مهم خاصة عند الحديث عن ضرورة الإفصاح عن الأصول والديون بعيداً عن اعتبارات المنافس الوطني لأخيه المواطن، إذ لا يصب ذلك في مصلحة الإمارات التي لابد وان تتصدى للأزمة من خلال تعزيز نموذج وطني اتحادي متكامل، ينتهج التنسيق ويتقاسم الأدوار لكي لا تستمر الأزمة طويلاً، لأن الأزمة أن استمرت زادت الأخطاء وهددت مستقبل أجيال قادمة وهو الأمر الأشد خطورة.
ان الإعلان عن أصول الدولة وحجم ديونها وان كشف عن أخطاء في السياسات والإدارات لا يمكن اعتباره عيباً، وتبني قرارات صعبة بناءً على تلك الحقائق وان أسهمت في تراجع موقع الدولة عالمياً ليس عيباً أيضاً، لأن الأمرين يؤكدان على أن الأزمة دفعت نحو تصحيح المسار لصالح أبناء الوطن، وفق منظومة اتحادية لابد وان تكون بوصلة لتوجيه الجميع عند الحديث عن حلول تواجه تداعيات الأزمة، أما التكتم والاستمرار في بعض السياسات وان جانبت الصواب فهو مؤشر غير صحي لأننا سنكون سجلنا فشلاً بعد نجاحات يفترض الحفاظ عليها وحمايتها والاستثمار فيها من خلال «الاتحاد» الذي يمكن اعتباره وحده القادر على انقاذنا في الوقت الذي أصبحنا نسمع فيه غناء كل على ليلاه!!
