كما هي عادته منذ اغتصاب فلسطين واحتلال مكانها على مدى العقود الماضية، فقد مر الاحتلال مرة أخرى في غزة.. وكما مر سابقا مخلفا وراءه القتل والدمار والخراب والمحارق، ففي هذه المرة كذلك خلف وراءه في القطاع المحاصر صورا ومشاهد تحكي لنا عن «المحرقة ـ الكارثة» التي حلت بأهلنا في القطاع بعد أن مرت فيه الدبابات والمجنزرات والوحدات الخاصة النخبوية الإسرائيلية، وبعد أن صبت عليه الطائرات والزوارق والدبابات حممها، ليغدو المشهد الغزي وفق الصور القلمية المختلفة كما يلي: غزة بعد العدوان ـ دمار وخراب ومحارق لا توصف وأحزان لا تمحوها مرور الأيام.. أشلاء متناثرة..

دماء.. أجساد مقطعة وأخرى متفحمة.. وجدران مهدمة.. أصوات صراخ.. هكذا بدا المشهد داخل ومحيط مدرسة الفاخورة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة بعد أن قصفتها الطائرات الحربية الإسرائيلية بالصواريخ، ورمال غزة ـ زلزال حرق الأخضر واليابس وحول المنازل إلى أطلال..

إسرائيل تحول غزة مسرحا للأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا، قنابل الإبادة الجينية تستخدم في المحرقة. حي الزيتون يختزن الفظائع بين جنباته والجثث المتحللة تحت أنقاضه، العطاطرة زلزال إسرائيل مر من هنا، الجيش الإسرائيلي يشطب قرية «جحر الديك» عن خارطة قطاع غزة، اذ دمر معظم منازلها ومزارعها وسواها بالأرض، هولاكو وجيشه مروا بتل الهوى فحرقوا أخضرها ويابسها وغيّروا معالمها المعروفة، أما عن حصاد الشهداء والجرحى فحدث 1320 شهيدا،5500 جريح نصفهم من الأطفال والنساء)1755 طفلا و178 امرأة، 437 شهيدا من الأطفال، 108شهيدات فلسطينيات، 123 شهيدا من المسنين، 16 شهيدا من رجال الإسعاف، 5 صحافيين وإعلاميين.

5 أجانب، ـ نحو 400 في حالة خطرة جدا. وليس ذلك فحسب، فقد تحول قطاع غزة بكامله إلى منطقة منكوبة كما أعلن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الذي وثق لنا» أن قطاع غزة بات «منطقة منكوبة» من النواحي الإنسانية والاقتصادية والصحية والاجتماعية جراء العملية العسكرية الإسرائيلية التي استمرت 23 يوما».

»إسرائيل إذن ـ مرّت من هنا» ـ هذه الكلمات كانت خطّتها ريشة فنان فلسطين الأول ناجي العلي منذ سنوات على لوحة كان قد كثف فيها ما معنى أن تمر» إسرائيل» بمكان ما....و«يقف «حنظلة» ـ كما هي عادته مديرا ظهره لنا جميعا... ينظر إلى ذلك البيت الذي أبت «إسرائيل» إلا أن تدخله عبر الحائط الذي هدمته وليس من الباب، خلف الحائط المدمر ومن الفتحة التي صنعتها آلة القتل الإسرائيلية، يظهر ركام وآثار هدم.

ومنذ عام 48 و«إسرائيل» تمر في كل الأمكنة الفلسطينية لتخلف وراءها الخراب والدمار والدماء.. فحسب إحصاءات محافظة نابلس على سبيل المثال فقد بلغ عدد المنازل التي دمرتها قوات الاحتلال تدميراً كلياً أكثر من 1000 منزل، بينما بلغ عدد المنازل التي دمرت تدميرا جزئيا حوالي 5000، بالإضافة إلى نحو 1050 متجراً بين هدم كلي وجزئي.

فقد مرت قوات الاحتلال في نابلس وتسببت بخراب البلدة القديمة...!وفرضت طوقا أمنيا واسعا على المدينة ومحيطها، كما بدأت قوات الاحتلال أيام حملة «متدحرجة» ضد مؤسسات مدنية في نابلس بدعوى تبعيتها لحركة حماس، حيث اقتحمت المساجد ومؤسسات مدنية واجتماعية وطبية وثقافية ومدارس ومحال تجارية، إضافة إلى بلدية نابلس.. ومن نابلس إلى كل الأمكنة الفلسطينية الأخرى..

حيث كانت الآلة الحربية الاحتلالية قد مرت قبل ذلك مرارا وتكرارا فوق أعناق زيتون فلسطين العتيق في رام الله وقلقيلية وطولكرم وجنين.. أو فوق أعناق عرايش عناقيد عنب الخليل.. أو فوق أعناق النخيل الفلسطيني الأصيل على امتداد أطراف رفح وخانيونس وبيت لاهيا.. أو فوق أنقاض مصانع الزيت والزيتون ومعالم التاريخ والتراث والحضارة العريقة في قصبات البلدة القديمة في مدينة جبل النار التي سطرت قصة صمود ملحمية تحت أطول حصار يفرض على مدينة فلسطينية عبر سنوات الاحتلال...!

ولكن ـ قبل كل ذلك نوثق ـ تراث هائل من الفكر الإرهابي الإجرامي) الدموي الصهيوني يقف وراء الخطط والحملات والاجتياحات الحربية الدموية الإبادية المنفلتة، وعقول جنرالاتهم ومفكريهم وباحثيهم الاستراتيجيين تتفتق دائما عن إبداعات جهنمية شيطانية إرهابية جديدة لتبلغ ذروتها في الحملة الحربية ؟

المحرقة ـ الأخيرة في غزة الصامدة الصابرة المثابرة على نحو أسطوري، هذه الحملة التي أطلقوا عليها «الرصاص المسكوب ـ المصهور»، وقبلها كانوا اطلوا علينا ب«خطة كبار الجنرالات»..

ثم «سيناريوهات الحرب مع الفلسطينيين التي شارك في وضعها جنرالات هيئة الحرب الإسرائيلية ثم انتقل جيش الاحتلال إلى «خطة الطريق الصارم» وبعدها إلى خطة «حملة الموت البطيء في جنين».. ثم انتقل ذلك الجيش إلى «حملة العلاج الجذري في رفح وبيت حانون وبيت لاهيا»... ثم اطلوا علينا في أعقاب عملية «الوهم المتبدد)2006» بحملات حربية لا حصر لها وحملت من الأسماء الحربية ما لا يخطر بالبال والتي توجت في الآونة الأخيرة ب«امطار الصيف»..ثم ب«غيوم الخريف»...وأي غيوم صهيونية حمراء هذه...!.

وكانوا أطلقوا على بعض حملاتهم المجازرية مثلا أسماء مثل «فوق أعناق الورود الحمراء».. تصوروا.. وكذلك «أيام الندم»، ويقصدون في الصميم وفي التطبيق الإجرامي على الأرض حصد أكبر كم من الأرواح الفلسطينية وقطف اكبر عدد من رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ والمقاتلين على حد سواء.

لسان حال أهل غزة وبيت حانون وبيت لاهيا ورفح وعبسان وخانيونس، وكذلك مخيم جنين وقصبة نابلس القديمة والقدس القديمة وقصبة الخليل العتيقة مرورا بالأمكنة الفلسطينية الأخرى على امتداد مساحة الضفة هناك يقول لأمة العرب: ستبقى هذه الأرض والبلاد الطيبة عصية على الاحتلال.. نحن في غزة بخير.. نحن في الحرب بخير.. فكيف انتم أيها العرب....؟ نحب الحياة.. ونحب الأرض.. ونحب فلسطين العربية.. وستزهر في أرضنا العربية المحتلة المزيد من أشجار الزيتون والحنون..!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com