في كلمته الافتتاحية في منتدى «دافوس» الاقتصادي العالمي وجه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين سيلاً من الاتهامات للولايات المتحدة الأميركية حولت المنتدى الدولي إلى ما يشبه المحاكمة لأميركا، حيث قال بوتين «إن الأميركيين أوصلوا السفينة العالمية إلى ملتقى الأعاصير الرهيبة الأمر الذي نتجت عنه الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الحالية».
وأشار بوتين إلى أن المخرج الأساسي من الأزمة العالمية يتمثل بالضرورة في تحول العالم من النظام العالمي الأحادي القطبية إلى نظام جديد يستند إلى عدة مراكز عالمية كبيرة، وأن يتحرر العالم من الأكاذيب المالية والأموال الوهمية، كما اتهم بوتين الولايات المتحدة بأنها أهملت تماما الإشراف على أسواق المال عندها حتى فقدت السيطرة عليها، مما أدى إلى وقوع الكارثة.
وأوضح بوتين أن الولايات المتحدة كانت تطبع كميات كبيرة من الأوراق المالية دون رقابة أو حدود وتستهلكها في شراء كل شيء في العالم حتى أصبحت الموجودات كلها لديها بدون قيمة مالية فعلية لأنها لم يتم الحصول عليها مقابل قيمة مالية فعلية، وقال بوتين إن العالم يواجه الآن أول أزمة عالمية حقيقية في التاريخ وأن سرعة تطور هذه الأزمة يفوق كل التصورات وكل الأرقام القياسية.
اتهامات بوتين للولايات المتحدة سيطرت على حلقات النقاش في منتدى دافوس، لكن بوتين لم يكتف باتهاماته حول الأزمة المالية العالمية، بل أعطى تلميحات لاتهامات أخرى أثارت جدلا واسعا، وذلك عندما تناول الظواهر العدوانية التي تحدث في العالم، حيث ربط بوتين بين الحرب الأخيرة في القوقاز وهجوم جورجيا على أوسيتيا الجنوبية في أغسطس الماضي، وبين الأعمال الإرهابية التي وقعت مؤخرا في الهند، وبين الحرب الأخيرة على غزة.
وقال بوتين إنه يبدو للبعض أن هذه الحوادث لا شيء يربط بينها، في حين أنها مرتبطة ببعضها بملامح ومؤشرات مشتركة من أهمها أن المجتمع الدولي لم يستطع تقديم حلول بناءة لهذه الأزمات، وعندما يفقد المجتمع الدولي القدرة على تقديم الحلول فإن هذا يعني وجود قوة عالمية أقوى من المجتمع الدولي تقف وراء هذه الأحداث وتستفيد منها بشكل أو بآخر.
هذه التلميحات من رئيس الوزراء الروسي فسرها البعض بأن الولايات المتحدة تقف خلف كل ما يحدث على الساحة الدولية الآن من نزاعات وحوادث وصراعات، خاصة وأنه سبق لبوتين أن اتهم واشنطن صراحة بأنها شاركت في التخطيط للحرب في القوقاز ودعمت نظام الرئيس الجورجي ساكاشفيلي بالسلاح اللازم لهذه الحرب.
كما أنها الداعم الأول سياسيا وعسكريا لإسرائيل في حربها على الفلسطينيين، وهي التي تسعى أيضا لإشعال الصراعات في شبه القارة الهندية، وقد سبق لموسكو منذ أيام أن كشفت عن مخطط أميركي لاستغلال حوادث القرصنة في البحر الأحمر.
ويفيد المخطط بأن واشنطن تسعى لتقديم مشروع لمجلس الأمن لاستصدار قرار يسمح بالتدخل العسكري في الصومال استنادا للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وترى موسكو أن هذا المخطط لا يستهدف الصومال بالتحديد بل يستهدف السودان الذي يغلي بالصراعات والذي تطمع الولايات المتحدة للهيمنة عليه وإزاحة منافسيها من الصينيين والروس وأيضا الأوروبيين من هناك، وقد كتبت الصحف الروسية تقول إن كبار مستشاري وزارتي الخارجية والدفاع الأميركية قدموا توصية للرئيس الجديد باراك أوباما لكي يضع هذا المشروع على رأس أولوياته.
لقد استغل رئيس الوزراء الروسي بوتين منصة منتدى دافوس لكي يكيل الاتهامات للولايات المتحدة الأميركية، ولكي يحذر العالم من انحرافات السياسة الأميركية ومخاطرها على المجتمع الدولي، ولم يكن حديث بوتين مجرد شعارات معادية لأميركا، خاصة وأن العديد من دول العالم، بما فيها دول أوروبية كبيرة تردد نفس الاتهامات، الأمر الذي يكشف عن تحرك فعال للجبهة المعادية لواشنطن على الساحة الدولية في الفترة المقبلة.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني