إذا كانت الأمور نسبية، فالعراق قفز؛ بانتخابات مجالس المحافظات، أمس الأول، خطوة ملفتة إلى الأمام. صحيح لم تكن مثالية أو خالية من الشوائب والعيوب. لكن بالمقارنة مع سوابقها؛ وبمقاييس ظروف البلد المعروفة، كانت نقطة تحوّل. والمهم فيها، أنها بقدر ما كانت مغادرة للمألوف، بقدر ما هي مفتوحة على المزيد من التراكم النوعي. وهنا مسؤولية العراقيين.

فكما وقفوا وراء نجاح هذا الاختبار، فإنهم مطالبون بتطويره ومواصلة تحقيق الانجازات الوطنية المؤدية، في نهاية المطاف،إلى خروج هذا البلد من محنته الوطنية، الطويلة والمنهكة.

الفوارق كبيرة بين هذه المرة وبين الانتخابات الثلاثة، التي حصلت عام 2005 ـ لأعضاء الجمعية الوطنية الانتقالية، ثم للتصويت على الدستور وأخيراً لانتخاب البرلمان. فيما سبق كان العنف الدموي، من خلال التفجيرات والعمليات الانتحارية؛ سيّد الموقف. بسببه كان الإقبال ضعيفاً. وكذا كانت مشاركة المرشحين. هذه المرة، العنف لا يذكر، نسبياً.

الإقبال على التصويت وصل إلى معدلات عالية: 60%. المشاركة، ضربت المشاركة الرقم القياسي: 14400 مرشح. والأهم، أنها جاءت على شكل ائتلافات، الكثير منها خارج عن الأطر الطائفية والحزبية. كما أن عملية الاقتراع، جاءت مختلفة. الناخب اقترع ممثله بالاسم وليس بالكتلة. طبعا لم تكن العملية خالية من النواقص. ثمة لوائح ناخبين كانت غير مكتملة.

مراكز اقتراع كانت عناوينها مشوشة. أيضاً شهدت خروقات أمنية. مع ذلك كانت، وفق معظم الشهادات، على قدر كبير من النجاح. وإذا كانت الانتخابات قد اجتازت امتحان المشاركة والمنافسة، بنجاح ملحوظ؛ فإن نجاحها في امتحان الأمن كان الأكثر مدعاة للتوقف عنده. ما كان من المتوقع أن تجرى انتخابات بهذا الهدوء، على خلفية الجروح العميقة، التي بالكاد وقف نزيفها.

وليس ذلك من غير مدلول سياسي، يتعدّى الأمني. لاسيما وأن الانتخابات جرت على أبواب خروج القوات الأميركية من المدن العراقية ـ في آخر يونيو القادم ـ ؛ تمهيداً للانسحاب الكامل، مبدئياً حسب الاتفاقية، أواخر 2011. وقد يحصل قبل هذا التاريخ، حسب ما تعهد الرئيس أوباما. وكأن ما جرى، جاء في إطار بداية العودة إلى الذات الوطنية؛ استعداداً لعودة العراق القريبة، إلى أهله.

لقد اجتاز العراقيون الاختبار بامتياز. الانتقال من انفلات العنف المخيف، إلى صندوق الاقتراع وبهذه السرعة القياسية؛ ليس بأقل من انجاز هام. كذلك هو الانتقال ولو النسبي، من التكتلات الضيقة إلى الأطر الأكثر رحابة. نقلة نوعية بارزة وواعدة. ثمة بوادر نزوع للخروج من الماضي المفجع. الحكم عليها يكتمل في امتحاني يونيو وانتخابات البرلمان في ديسمبر. الكرة في ملعبهم.