لتفضيل أوباما قناة (العربية) على سواها من فضائيات العالم، حين خصّها بأول مقابلة له، أكثر من دلالة؛ من بينها أنه اخترق الحاجز التقليدي للصمت المضروب على وسائل إعلامنا من قبل من سبقه في الإدارة الأميركية؛ ومنها اعترافه بأهمية الدور العربي وضرورة الانتباه إليه في ما يخص المنطقة العربية الملتهبة، والتقرّب من محور التوهّج السياسي والاقتصادي لاكتشاف عناصر الاستفادة منه في مسيرته التي وعد بها المنطقة من تغيير. فبغير هذا التقرب من صميم المشاكل، يظل كثير من الأمور غائما لا يساعد على إمكانية الوصول إلى عصب المشاكل، والوعد بتغييرها.

وأحسب أن هذه الخطوة الجريئة من اوباما كانت أبعد مما يتوقع العرب، ولعلها باغتتهم قبل استعدادهم لها. ولا شك أنها أربكت الكثير من الفرضيات لدى غيرهم.

أثناء حملة اوباما الانتخابية كانت تتردد على أكثر من لسان مقولة (الإستراتيجية لا تتغير بتغيّر الرئيس، وما يتغير هو الشكل الفني). وكانت لنا مراجعة لهذه المقولة نشرناها في هذه الزاوية يوم 19-11-2008 بعنوان (عواطف اوباما)، أشرنا فيها إلى « شخصيته وتكوينه الثقافي وفلسفته ومزاجه الشخصي وعلاقاته الشخصية، ووضعه الاجتماعي وتاريخه السياسي، وما في ذلك من دور فاعل ومؤثر في القرارات التي سيتصدّى لها لتحقيق برنامجه العام.

فليس من المعقول أن ينظر باراك اوباما إلي الوضع الافريقي مثلما ينظر إليه أي زعيم أوروبي، إنه ابن هذه البيئة المستعصية على الحلول، ولكن اوباما سيستدعي خبرته الذاتية بهذا الشأن ويضعها في إطار الإستراتيجية، ويسعى إلى علاجها. ولن يكون مسعاه خارج عاطفته وتعاطفه الطبيعي مع هموم افريقيا الرازحة تحت وطأة الفقر والجهل والمرض. كما لا يمكنه غض النظر عن هارلم وتعاستها؛ وربما دغدغه الدم الإسلامي فنظر إلى واقع المسلمين بدافع هذه العاطفة، وسعى إلى التعاطي معها على غير ما تعاطاه سواه.

والآن، ها هو الرجل يبدأ أول ما يبدأ بالحديث إلى فضائية عربية، ويتناول مشاكل العرب بشكل لا مفر لنا من قراءته قراءة واقعية، ومراجعة حساباتنا، والنظر في ما لدينا من ثروة قادرة على التحكم بسياق الاقتصاد العالمي لو أحسّنا التصرف بها.

ولعل الصورة التي يحملها عنا باراك اوباما تصوّب مسارنا وتكشف عن طاقاتنا التي اكتفينا بمعرفة وجودها ولم نستفد منها؛ وما زالت شعوبنا العربية تئن من وطأة الفقر والجهل والخرافات، والصراعات التي لا تنتهي إلا لتبدأ.

الشكوك والاستعلاء، وعدم الثقة عندنا، تفتّت كل نيّة (إن وُجدَت) في إعادة النظر والبحث عن الملتقيات الممكنة لردم هوّة التمزّق والانحلال والنظر إلى فداحة الواقع المريض والخروج منه إلى فضاء الحقيقة، وإعادة تقييم وبرمجة تطلعاتنا إلى المستقبل، فليس من المعقول إن نبقى نلوك نفس الجمل، ونكرر نفس الأحلام التي رسمت حياتنا على مدى عقود من الزمن، وخثّرت مشاعرنا، وبلّدت أحاسيسنا، وزهّدتنا بسماع الآمال الكاذبة.

لم تعد الحقيقة مثلما كانت قبل اليوم، حكرا على الجلسات والقرارات السرية التي تتجنّب إعلام الناس، ودعوتهم إلى المشاركة بها. الحقيقة اليوم غدت مكشوفة للجميع بفضل التقدم التكنولوجي الذي يتيح للناس أن يعوا ما هم فيه، وان يعرفوا صدق الوعود من كذبها، وهو ما يترتب على أولي الأمر أن يحترموا عقول الناس، وان يحققوا مطامحهم، وان يسعوا إلى الخلاص مما يشوب حياتهم من حيرة وحاجة وقهر وعذاب وخرافات.

باراك اوباما أشار، والحر تكفيه الإشارة؛ ومجال التأمل في ما قال اوباما مفتوح، والتعامل معه ممكن، بما يتجاوز الخطابات، والمؤتمرات المغلقة، ويوجب العمل بوحي الضمير واليقظة، وعوامل الزمن.

كل مشاريعنا الآن، بحاجة إلى التنظيف، وبتر الأجزاء التالفة بجرأة وصدق، وإعادة التخطيط في ضوء واقع الحال، واستثمار طاقاتنا الواقعية المحسودين عليها. وقبل ذلك، التخلي عن منطق الاستعلاء والاتكاء على التاريخ؛ فالتاريخ اليوم هو ما نصنعه نحن بوعينا واحترامنا لعقولنا واستثمار ما من الله علينا به.

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fr