خلافاً لكل التوقعات التي كانت سائدة قبل أسابيع بأن القضية الفلسطينية لن تكون لها الأولوية في حسابات الرئيس الأميركي الجديد أوباما، ها هي الأحداث تفرض على الإدارة الأميركية تغيير أولوياتها، وها هو أوباما (على وقع الحرب والدمار ونهر الدم الفلسطيني الذي سال في غزة) يبدأ عهده بهذا التوجه القوي نحو القضية الفلسطينية.

فيكون «أبو مازن» هو أول مسؤول أجنبي يتصل به هاتفياً بعد دخوله البيت الأبيض، ويكون تعيينه للمبعوث رفيع المستوى ميتشيل وإيفاده على الفور للمنطقة دليلاً على الرغبة في التعامل الجاد مع القضية، ويتم استدراك خلو خطاب التنصيب من أي حديث عن فلسطين بالخطاب الذي ألقاه عند إعلان تعيين ميتشيل، ثم بالحوار التليفزيوني الأول من البيت الأبيض مع إحدى القنوات العربية.

والعودة الأميركية بهذا المستوى وهذه الفعالية لا تجيء فقط بسبب حيوية الإدارة الأميركية الجديدة، ولا بسبب الموقف المتفجر في المنطقة بعد العدوان الوحشي على غزة والذي تتحمل الإدارة الأميركية السابقة جزءاً أساسياً من المسؤولية عنه، ولكنه يجيء أيضاً من قراءة جيدة لما يجري في المنطقة .

حيث الأولويات الأميركية في العراق وأفغانستان وباكستان وكلها تمثل القضية الفلسطينية أحد المفاتيح الرئيسية للتعامل معها، كما يجيء في إطار الاشتباك الجديد مع طهران والذي يعطي الأولوية للحوار ولكنه لا يستبعد المواجهة في نهاية الأمر، وفي الحالتين (الحوار والمواجهة) تبدو القضية الفلسطينية محوراً أساسياً من محاور الاشتباك الأميركي والإيراني، وهو ما أوضحته الحرب الوحشية الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

وبالطبع.. فلا أحد ينتظر المعجزات من التحرك الأميركي الجديد. ولقد قلنا هنا من قبل إن كل المطلوب أن تراعي السياسة الأميركية المصالح الأميركية نفسها، بدلاً من أن ترهن قرارها للمصلحة الإسرائيلية وحدها كما كان الحال مع إدارة بوش، وهو أمر لن يتحقق إلا إذا كان العرب قادرين على أن يكونوا نافعين أو ضارين بالنسبة لهذه المصالح.

وأن يمتلكوا الإرادة على تفعيل هذه القدرة. وللأسف فإن هذا التغيير الأميركي يأتي والأوضاع في أسوأ أحوالها.. انقسام فلسطيني لم تنجح دماء الشهداء ولا وحشية العدو في إنهائه، وانقسام عربي قادر على تحويل جهود المصالحة إلى مجرد جلسات لرفع العتب أمام الجماهير المصدومة، بينما الخلافات كما هي والأحاديث عن محاور «الممانعة » و«الاعتدال» تتكرر، والإمكانيات العربية تهدر.

وإذا كان من الطبيعي أن تكون المهمة الأولى للمبعوث الأميركي ميتشيل كما أعلنها هي تثبيت وقف إطلاق النار، والتي لن تكون ممكنة إلا إذا ارتبطت بإنهاء الحصار على الفلسطينيين. فإن السؤال المنطقي: ماذا بعد ذلك ؟ هنا يأتي التلويح باستئناف مفاوضات السلام التي كانت قائمة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية برعاية أميركية، وذلك بعد الانتخابات الإسرائيلية التي تشير التوقعات إلى أنها ستأتي بنتانياهو لرئاسة الحكومة الإسرائيلية !

وهنا ينبغي أن تكون هناك وقفة مع الإدارة الأميركية الجديدة، ومنذ البداية. فلم يعد مقبولاً على الإطلاق أن يكون التفاوض هدفاً في حد ذاته، بينما تستمر إسرائيل في خططها لتهويد القدس وقضم الضفة الغربية قطعة قطعة وبناء المستوطنات ومضاعفة قطعان المستوطنين وفرض أمر واقع ينهي احتمال إقامة الدولة الفلسطينية، خاصة مع تكريس الانفصال بين الضفة والقطاع.

هذا أسلوب ينبغي أن يتوقف على الفور، وأن يواجه برفض فلسطيني وعربي حاسم، وبموقف واضح يجعل من فترة التهدئة التي يتم الاتفاق عليها هي نفسها المهلة التي تمنح لتفعيل المبادرة العربية، على ان يسبق التفاوض التزام إسرائيلي ؟

أميركي بوقف عملية الاستيطان تماما ووقف بناء الجدار العازل على أي جزء من أراضى الضفة. ويبقي الجانب الأخطر في التحرك الأميركي، وهو أن مهمة ميتشيل في المنطقة تترافق مع الجهد الذي تبذله واشنطن لحشد الدعم الأوروبي لمذكرة التفاهم الأمني التي وقعتها وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس من خلال مؤتمر دولي يعقد في كوبنهاغن بهدف وقف تهريب الأسلحة إلى غزة.

وهو موقف يتجاهل أن الأسلحة لتي ينبغي مصادرتها أساساً هي الأسلحة المحرمة دولياً التي استخدمها إسرائيل ضد الأطفال الفلسطينيين، كما أنه موقف يفرض حصاراً غير مبرر على العالم العربي كله، ويستدعي موقفاً عربياً يؤكد أن القضية ليست أسلحة المقاومة البدائية بل الاحتلال الإسرائيلي الذي ينبغي أن ينتهي، وإلى أن ينتهي فإن حق مقاومته هي حق مشروع لن تستطيع كل أساطيل الأطلسي مصادرته.

إنه حكم التاريخ الذي يقول انه ما دام هناك احتلال فإن المقاومة موجودة ومشروعة وقانونية. فلتعلن أميركا وإسرائيل الالتزام بدولة فلسطين على كامل أراضي 67، وليبدأ التفاوض بعد ذلك على التفاصيل والضمانات. أو فلتعلن القبول بدولة واحدة داخل فلسطين التاريخية تضم الفلسطينيين والإسرائيليين.. وساعتها فقط ؟

وليس قبل ذلك ؟ سوف تتوقف دائرة العنف. ويمكن الحديث عن سلام حقيقي ينقذ المنطقة من حروب أخرى أقسى وأشد تبدو معالمها في الأفق، ولا تكفي في منعها جهود ميتشيل ولا حشد الأساطيل.

كاتب صحافي مصري

Elsadattt@hotmail.com