واحدة من الخصائل المطبوعة عليها إسرائيل هي الوقاحة الفاقعة. تقتل وتدّعي العفة. تعتدي وتزعم أنها تدافع. تسفح دماء المدنيين وتنكر. بل تذهب في الصفاقة إلى حدود توجيه اللوم لمن يسألها. أو حتى يعاتبها، ولو بخجل؛ على جرائمها. يغيظها ذلك لأنه يضع أكذوبتها، بأنها البلد المسالم والديمقراطي الوحيد في المنطقة؛ تحت الضوء الكاشف. ثم أنه يشكل خروجاً على المألوف. هي اعتادت خداع العالم وإخراسه، عبر أخطبوط علاقاتها وحضورها الدعائي؛ فضلاً عن شبكات نفوذها المتغلغلة في معظم مطابخ القرار والتأثير، العالمية.
صورة عملت طويلاً على ترسيخها، وقاعدة استثمرت الكثير من أجل تثبيتها. لكن ما بنته على التزوير والتزييف، بدأ يدب فيه التآكل.
ردود الفعل الدولية على جريمتها في غزة، عزّزت من عملية الفضح هذه. آخر الحلقات كانت في منتدى دافوس. شيمون بيريز، ما غيره، صاحب مجزرة قانا اللبنانية وغيرها من الوجبات الدموية؛ يتولّى تلميع الجريمة. يغتنم وجوده على منبر هذا المؤتمر الدولي الرفيع، ويستنفر ما يتفوق به من مكر وثعلبة؛ ليقدّم العدوان الوحشي على القطاع وكأنه كان مجرد رد فعل، من جانب حمل وديع!
هاجم بعنف، من سبقه في الكلام وأخذ على إسرائيل تفظيعها بالمدنيين. تمادى في ردّه المنفعل عليهم، إلى حدّ اتهامهم «بالجنون». فإسرائيل لا تقوى أن ترى ولا تطيق أن تسمع ما سمعته من كشف وإدانة لفجورها الدموي. اعتمد بيريز لغة الترهيب المعتادة. ربما توقع أن هجمته اللاذعة تكفلّت إخراس الانتقادات. لكن ظنه خاب عندما تصدّى له رئيس الحكومة التركية، أردوغان؛ الذي فضح أسلوبه وحجته «الضعيفة»؛ وخاطبه بعبارة «انتم قتلة».
جرأته هذه ومغادرته الفورية للمؤتمر، كانت حديث الساعة في وسائل الإعلام العالمية. تماماً كما كانت ولا تزال سيرة التحركات التي تقوم بها جهات عديدة عاملة في حقل حقوق الإنسان، لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين، أمام المحكمة الجنائية الدولية؛ بتهمة ارتكاب جرائم حرب، في غزة.
من أكثر ما حرصت إسرائيل، منذ قيامها، على إشاعته؛ كان تعميم وترسيخ صورة تظهرها للعالم، على أنها كيان محاط بأعداء ومجبر على الدفاع عن حاله. خلف ضباب هذه الدعاية الواهمة، مرّرت حروبها وسياساتها العدوانية وتخريبها لكافة محاولات التسوية والسلام.
ساعدها، بصورة غير مباشرة، في ذلك قصور فلسطيني ؟ خاصة في الآونة الأخيرة؟وعربي؛ لفضح خبثها. الآن ثمة فرصة متوفرة بعد العدوان، للتعويض. حشد جميع الإمكانات والجهود، الحقوقية والدبلوماسية والإعلامية؛ من أجل تسليط المزيد من الأضواء على انتهاكات إسرائيل وعدم ترك جريمتها الغزاوية تمر؛ من دون توظيفها إلى أقصى الدرجات.
