لا نعرف مدى صحة الانباء التي نشرتها وسائل اعلام اسرائيلية يوم امس وافادت أن ميغيل مارتينوس وزير الخارجية الاسباني اتصل بنظيرته الاسرائيلية تسيبي ليفني، وأبلغها أن حكومة بلاده ستعمل على تغيير القوانين التي تسمح بمحاكمة مسؤولين اسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، ولكن اذا ثبت فعلا صحتها، فإن الحكومة الاشتراكية الاسبانية تكون خضعت، وبطريقة مخجلة، للابتزاز الاسرائيلي، وتخلت عن قيم العدالة والديمقراطية، وانحازت للارهاب ورموزه.

ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي هدد باتخاذ كل الاجراءات الممكنة من اجل منع تقديم سبعة من الجنرالات الاسرائيليين إلى المحكمة بتهمة اغتيال صلاح شحادة احد كبار المسؤولين في حركة 'حماس'، وقتل 14 مدنيا فلسطينيا اثناء قصف الطائرات الحربية الاسرائيلية لمنزله في عام 2002.

القاضي الاسباني الذي نظر في هذه القضية المقدمة من منظمة حقوق الانسان الفلسطينية في اسبانيا، وجد انها تتماشى مع القانون الاسباني الذي يسمح بتقديم كل من يرتكب جرائم حرب إلى المحاكم الاسبانية، ولذلك جرى توجيه الاتهام إلى سبعة جنرالات اسرائيليين تورطوا في جريمة الاغتيال المذكورة، من بينهم بنيامين بن اليعازر وزير الدفاع السابق، وموشيه يعالون وزير الدفاع الاسبق ايضا، وآفي دختر رئيس جهاز الشاباك السابق ودان حالوتس قائد سلاح الطيران وغيرهم.

اقدام الحكومة الاسبانية على تعديل القانون، او ممارسة ضغوط على النظام القضائي الاسباني المعروف باستقلاليته، من اجل الحيلولة دون نظر القضية المرفوعة ضد مجرمي الحرب الاسرائيليين، مثلما وعد موراتينوس تسيبي ليفني قد يشكل اساءة كبيرة لاسبانيا وتاريخها الديمقراطي القصير، وربما يعيدها إلى عصر فرانكو الذي تحررت منه، وحققت بسبب ذلك قفزاتها الاخيرة في عالم الحريات، مما أهلها للانضمام إلى الاتحاد الاوروبي.

المنظمات اليهودية العالمية طاردت كل مجرمي الحرب الاوروبيين من نازيين وفاشيين لسنوات عديدة، وقدمت الكثير منهم الى المحاكم الاوروبية والاسرائيلية كمجرمي حرب، ولقيت تعاونا حماسيا من قبل الحكومات الاوروبية والاسبانية على وجه الخصوص، فلماذا تمارس الحكومة الاسبانية الحالية مثل هذا التمييز، وتوفر الحصانة للاسرائيليين الذين ارتكبوا جرائم ضد الانسانية من خلال تعديل قوانينها بمثل هذه الطريقة المستنكرة!

المجرمون الاسرائيليون الذين ارتكبوا مجازر غزة الوحشية، القديم منها والجديد، يجب أن يعاملوا مثل الآخرين تماما، دون اي تفرقة او تمييز، فالضحايا الفلسطينيون الذين مزقت اجسادهم الصواريخ والقنابل الاسرائيلية، ونصفهم من الاطفال (1350 شهيدا) هم ايضا من البشر، مثلهم مثل ضحايا المحرقة وافران الغاز ولا يجب أن يكونوا فوق القانون الاسباني او اي قانون اوروبي او اممي آخر.

الحكومة الاسبانية ستخسر كثيرا اذا رضخت للابتزاز الاسرائيلي، وهي التي لم تتساهل مطلقا مع منفذي الهجمات على قطارات مدريد في العام 2004. ستخسر سمعتها كدولة ديمقراطية تحترم قضاءها المستقل، مثلما ستخسر الكثير من اصدقائها العرب والمسلمين.