لا تمر الأحداث الكبيرة في حياة الشعوب دون عبر ودروس يستفاد منها، فالعملية التاريخية هي حصيلة سلسلة طويلة من التجارب البشرية المليئة بالأحداث والمواقف المثيرة، وفي الكثير من الأحيان الدموية.
ولعل الحروب هي أقسى تلك التجارب التي تمر بها المجتمعات، فهي فضلاً عن تكلفتها البشرية والمادية الهائلة، فإنها تترك في نفوس الشعوب الأحقاد والضغائن والرغبة في الثأر والانتقام من العدو، وبالتالي فهي في الكثير من الأحيان تحرك دائرة مفرغة قد يطول دورانها.
ولعل الحروب العربية الإسرائيلية خير دليل على ذلك، فهي لم تتوقف منذ العام 1948 وإن اتخذت في السنوات الأخيرة حروباً ضد الفلسطينيين سواء حينما كانوا في لبنان أو حينما شكلوا سلطتهم الوطنية على تلك الأراضي المحتلة التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية.
ولعل حرب غزة الأخيرة التي دامت أسابيع ثلاثة، حيث استخدمت فيها إسرائيل جميع أنواع أسلحتها الجوية والبحرية والبرية، ليست استثناءً من تلك القاعدة، فإذا ما غضضنا النظر ولو للحظة عن طبيعة الحرب الأخيرة باعتبارها حرباً غير متكافئة بكل المقاييس، فإن هذه الحرب الأخيرة مع ذلك، اقتضت الترتيب والتهيئة والتجييش وشنت فيها أيضاً حرباً دعائية فضلاً عن نتائج على الأرض وعلى الصعيد السياسي. وعلى ذلك يمكن أن نستخلص من تلك الحرب بعض الدروس.
الأول أن «النظام العربي» لم يعد راغباً تحت أي ظروف في الدخول بمواجهة عسكرية مع إسرائيل، فتلك المواجهة حصادها مر لأي جيش عربي. هذا بالطبع إن وجدت إرادة سياسية للمواجهة العسكرية. فالحروب التقليدية في العصر الحالي؟ أي حرب الجيوش - لم تعد تعتمد على بطولات الجنود الفردية وعلى شجاعتهم وقوة بأسهم، أو على صبر القيادات وحسن تدبرها للأمور، إنها تقوم هذه الأيام على العتاد العسكري المتطور.
فالحرب أضحت الكترونية، وشتان ما بين ترسانة السلاح العربية وتلك التي تمتلكها إسرائيل. ولعل آخر تلك الحروب وهي حينما اشترك الجيش السوري في التصدي لاجتياح إسرائيل للبنان في العام 1982، وفقدانه عدداً ضخماً من طائراته في غضون أيام قليلة يوضح ذلك!! فحتى أيام الحليف السوفييتي، فإن ذلك الحليف لم يكن ليقدم «لحلفائه» أفضل ما عنده .
وذلك لأسباب مختلفة لعلها في ذلك الوقت حرصه على «سياسة الوفاق» التي طبعت علاقات القوتين العظميين منذ سبعينات القرن الماضي. وهذا الكلام لا ينطبق على الحروب العربية الإسرائيلية بل على أي حرب تشن بين قوتين غير متكافئتين «تقنياً» والأمثلة كثيرة، حرب فوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين، وحرب الحلفاء ضد صربيا، احتلال العراق.
الدرس الثاني بعكس الأول وهو إنه إذا كانت إسرائيل قادرة على هزيمة الجيوش العربية النظامية لتفوقها التقني وعتادها الحديث بل الأحدث في العالم، فإنها غير قادرة على هزيمة وإسكات المقاومة الشعبية ولا تقوى على إنهاء حرب العصابات في المدن والمناطق المأهولة.
فتجربة إسرائيل منذ بدء نشأتها إلى الآن تقول إنها لم تستطع التقدم لأي عاصمة عربية، اللهم إلا احتلالها لغرب بيروت في اجتياحها للبنان في العام 1982 وبمبادرة فردية من شارون وظلت بها فترة قصيرة لتنسحب منها ذليلة بعد أول عملية مقاومة ضدها.
ولعل حرب تحرير جنوب لبنان كانت درساً لإسرائيل في استحالة احتلالها لأراض مأهولة بسكان معادين لها. أما حربها في العام 2006 فقد أثبتت مرة أخرى استحالة هزيمة «جيش عربي غير نظامي». وهذا بالضبط ما تكرر في غزة في الأسابيع الماضية. فرغم الآلة العسكرية الجبارة، فإن تلك الآلة وقفت عاجزة في نهاية الأمر عن تدمير مقاومة شعبية تمتلك عزيمة الاستمرار في التصدي وعدم الركوع.
الثالث، إن إسرائيل بتفوقها العسكري الطاغي وفي ظل اختلال ميزان القوى لا يمكن أن توافق على المطالب العربية التي ابتدأت بمفاوضات أوسلو أيام زعيم الثورة الفلسطينية التاريخي ياسر عرفات والتي تتوجت باعتراف منظمة التحرير بحق وجود إسرائيل، وهي الجائزة التي كانت تبحث عنها إسرائيل في المقام الأول.
إن تلكؤ إسرائيل في تطبيق ما كانت تتفق عليه مع الفلسطينيين ثم مطالبتها بتعديل بعض ما اتفق عليه ثم دعوتها إلى وضع آليات لتطبيق ما تبقى مما اتفق عليه، إن كل تلك ما هي إلا ألاعيب القوي على الضعيف. ورفضها للمبادرة العربية التي طرحت في مؤتمر بيروت في العام 2006 مثال آخر لعدم جديتها في السلام العادل المبني على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في الخامس من يونيو في العام 1967.
وبما إنه من الاستحالة تغيير ميزان القوى بشكلها التقليدي، بمعنى أن تكون الجيوش العربية بقدرة الجيش الإسرائيلي، فإن المقاومة الشعبية تظل الخيار الوحيد المتبقي للشعب الفلسطيني لتحقيق مطالبه. فحرب غزة قد أثبتت أن الصواريخ البدائية الصنع قد أربكت الحياة في إسرائيل، وجعلته يدخل في حرب لمن تسفر عن نصر حقيقي كما كانت حرب لبنان الأخيرة.
إن الاستمرار في المفاوضات مع إسرائيل من دون أن تكون المقاومة احد خيارات الجانب الفلسطيني وورقة ضغط رئيسية هو خطأ استراتيجي، ينجم عنه عجرفة الجانب الإسرائيلي وعدم تحقيقه لأي من المطالب العربية.