التعجيل بالحوار الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس لإنهاء حالة الانقسام وإعادة اللحمة الوطنية تحتمه ضرورات عدة، يأتي في مقدمتها التهديدات التي يلوح بها قادة الكيان الإسرائيلي من حينٍ لآخر بشأن معاودة العدوان على قطاع غزة وإضافة أعداد جديدة الى قافلة الشهداء والجرحى الذين حصدتهم آلته العسكرية الدموية في مجازر جماعية وصفت من قبل المنظمات الدولية بـ"هولوكست" بشع لا مثيل له في التاريخ الانساني .

ومن الدواعي الجوهرية التي تقتضي من الأشقاء الفلسطينيين الإسراع في بدء عملية الحوار وتحقيق المصالحة وتعزيز وحدة الصف احتدام الجدل بين الفصائل الفلسطينية ليتخذ أشكالاً حادة تعمق درجة الخلاف على نحو يضر بالقضية الفلسطينية ويعيق مباشرة إعادة الاعمار لقطاع غزة والذي لن يتم إلا في ظل توافق فلسطيني على الآليات الكفيلة ببناء كل ما تهدم وفق مخطط عام يتضمن أبعاد واحتمالات القادم وإلى جانب كل ذلك فلا ريب في أن تجاوز الفصائل الفلسطينية لخلافاتها أمرٌ ملحٌ في الوقت الذي تعد فيه الكثير من الترتيبات على المستوى الدولي والتي سيتحدد على إثرها حاضر ومستقبل القضية الفلسطينية.

وليس من المنطقي أن يجري كل ذلك فيما أصحاب القضية منقسمون على أنفسهم ومنشغلون بخلافاتهم وتبايناتهم حول أمور ثانوية يمكن حلها على طاولة الحوار، كما أنه من غير الصواب أن تستمر عوامل الانقسام وتتباطأ خطوات المصالحة فيما يعلم الجميع أن إسرائيل، وإن كانت قد أوقفت اسقاط القنابل الفوسفورية على الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني، قد استبدلت ذلك بتشديد الحصار وتضييق الخناق على أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني خرجوا من تحت الرماد والانقاض.

وإذا ما كان لهؤلاء حق فإن الواجب يدعو القادة الفلسطينيين إلى وضع الخلاف جانباً والترفع عن الصغائر وتجنب تكرار الانقسام، والاتعاظ من الدروس والعبر التي أفرزها هذا الوضع الاستثنائي.

ونعتقد أن ما جاء في المبادرة اليمنية الجديدة من نقاط عملية لاستئناف الحوار وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية قد وفر للأشقاء في فتح وحماس الأسس العملية الكفيلة بإيجاد المعالجات والحلول والمخارج التي تمكنهم من تخطي الظرف الراهن وبدء صفحة جديدة من الوفاق والتوافق والتحرك معاً في إطار موحد وقوي لفك الحصار وتكريس الجهود لإعادة إعمار قطاع غزة.

حيث أن من الأهمية أن يبرهن الأشقاء الفلسطينيون - بالأفعال لا بالأقوال- أنهم في مستوى المسئولية تجاه ما يحيق بقضيتهم ومسيرة نضالهم الوطني وأنهم على إدراك واع بأن وحدتهم هي قوتهم، وأن المراهنة على أي خيار آخر مرتبطة -أصلاً- بمدى تماسكهم وتلاحمهم وأنه لا سبيل أمامهم سوى الجلوس على طاولة الحوار وصياغة عهد جديد يجسد وحدة الإرادة الفلسطينية القادرة على الصمود في وجه المخططات الإسرائيلية وإفشالها وفرض الاستحقاقات الفلسطينية في التحرر والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة على العالم الذي تتعامل دوله الكبرى مع هذه القضية - للأسف الشديد- وفق معايير مزدوجة وسياسة تكيل بمكيالين وهو ما أتاح لإسرائيل التمرد على قرارات الشرعية الدولية وكذا على المبادرات الداعية إلى مقايضة الأرض بالسلام، ومواصلة الحروب الدموية المتكررة على الشعب الفلسطيني بهدف الإجهاز على مشروع الدولة الفلسطينية.

وأمام هذه المحاولات القديمة المتجددة للكيان العنصري فإن إدامة الخلاف والانقسام الفلسطيني تصبح نوعاً من العبث وإيذاء الذات وهو ما يتناقض كلياً مع المحددات التي خطها الفلسطينيون لمسيرة نضالهم الوطني في مواجهة الاحتلال وانتزاع حريتهم من أعدائهم الذين يخططون اليوم بكل وقاحة لإنهاء هذا المشروع التحرري باستغلالهم الانقسام الحاصل في الصف الفلسطيني.

ومن بين كل الخيارات فإن أولئك المناضلين الذين رسموا بدمائهم وأشلائهم أروع صور البطولات دفاعاً عن وطنهم السجين والسليب ولقنوا عدوهم دروساً مريرة اسقطت نظرية "الجيش الذي لا يقهر" ومرغته في التراب، ليس أمامهم سوى خيار المصالحة والوحدة الوطنية.. فبالوحدة ستظل شرارة النضال الفلسطيني متقدة ومتوهجة تعبر عن عدالة القضية الفلسطينية وصمودها في وجه الغطرسة "الشوفينية" الإسرائيلية.

فهل يعي رفاق النضال الفلسطيني أنهم وحدهم من بوسعهم الإبقاء على تلك الشعلة متوهجة وصنع تاريخ جديد ينتصرون فيه لكرامتهم وحقهم في الحياة، وأنهم باستمرار خلافاتهم سيجنون على قضيتهم ويطلقون عليها "رصاصة الرحمة".

ومن ما سلف يبدو واضحاً أن الأشقاء الفلسطينيين مطالبون، على نحو عاجل، بمباشرة الحوار وإيقاف الجدل الدائر الذي يوسع شقة الخلاف ويدفع بهم إلى السقوط في مهاوي الضياع.