تم تنصيب الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما الأسبوع الماضي في العاصمة واشنطن بحضور أكثر من مليوني شخص ليكون بذلك الرئيس 44 في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وأول رئيس أميركي من أصول إفريقية. تسلم أوباما الحكم بعد ثماني سنوات من الحكم لجورج بوش ترك فيها أميركا منقسمة على نفسها عانت خلالها من أحداث 11 سبتمبر ثم حربي العراق وأفغانستان وأخيرا الأزمة المالية العالمية والانهيار الاقتصادي الخطير الذي لم يشهد العالم مثيلا له منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
صعود أوباما إلى سدة الحكم يعتبر منعطفا تاريخيا ليس لأميركا فقط وإنما للعالم بأسره. من أهم القرارات التي اتخذها الرئيس الجديد وهو في الأسبوع الأول من حكمه الإعلان رسميا عن انتهاء الحرب على الإرهاب. وهذا ما يعني غلق معتقل غوانتنامو وتوقيف عمل العناصر الأساسية للبنية السرية التي طورها سلفه الرئيس بوش وكذلك إيقاف عمل السجون السرية بالخارج.
السؤال الأساسي الذي تطرحه معظم الأوساط السياسية في العالم اليوم هو: هل يستطيع الرئيس الأميركي الجديد تنفيذ سياساته الطموحة في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية وفي ظل التورط العسكري في كل من العراق وأفغانستان وتداعيات أحداث 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب. ورث الرئيس باراك أوباما عن سلفه أضاليل وأكاذيب رددها المحافظون الجدد وصدقوها وأرادوا من العالم أن يصدقها كذلك. إدارة بوش بنت سياستها الخارجية التي تميزت باستعمال الردع والقوة والحروب وانتهاك حقوق الإنسان والحريات الفردية على دبلوماسية التضليل والأكاذيب.
فالحرب على العراق برّرها بوش بمجموعة من الأكاذيب ؟ أسلحة الدمار الشامل وعلاقة صدام بالقاعدة- وباسم الحرب على الإرهاب قامت إدارة بوش بالتدخل العسكري في أفغانستان والدعم اللامشروط لإسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني وحربها في جنوب لبنان. هل سيسلك أوباما سبيلا آخر غير التضليل والأكاذيب وهل سيفي بوعوده وسينجح في إعطاء صورة جديدة لأميركا غير الصورة التي تركها بوش وهي صورة سلبية يميزها عدم الاحترام والكراهية لأعظم دولة في العالم. هل سيطبق أوباما شعار حملته الانتخابية «التغيير» وهل سيستطيع أن يفلت من قبضة اللوبي الصهيوني وأباطرة المركب العسكري الصناعي والشركات المتعددة الجنسيات؟
ماذا عن العرب والعالم الإسلامي؟ في خطاب تنصيبه أكد أوباما على عهد جديد يسوده الأمل بدلا من الخوف وأنه سينتهج طريقا جديدا مع العالم الإسلامي. ومن الخطوات الإيجابية الأولى نحو الشرق الأوسط عيّن الرئيس أوباما مبعوثا له لهذه المنطقة الحساسة من العالم السياسي، الديمقراطي السيناتور السابق جورج ميتشل وهو من أصل لبناني. السؤال الذي يفرض نفسه على العرب والمسلمين هو ماذا حضروا للتعامل مع الرئيس الجديد؟ وما هي استراتيجياتهم الجديدة للتعامل مع الإدارة الجديدة في البيت الأبيض؟
كثرت الأسئلة والنقاشات منذ فوز أوباما بكرسي الرئاسة الأميركية عن دور الرئيس الجديد في العلاقات الأميركية العربية والصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية...الخ. وماذا سيفعله الرئيس الجديد، ذو الأصول الإفريقية للعرب والمسلمين؟ فهناك الكثير من الأسئلة عن منهجية وأسلوب تعامل أوباما مع العرب؟ وقليل من الأسئلة عن ماهية استراتيجية العرب في التعامل مع أوباما بذكاء وحنكة لتحقيق مصالحهم وأهدافهم. والسؤال المحوري الذي يجب أن يُطرح في هذا المقام هو ماذا قدم العرب لفوز أوباما بكرسي الرئاسة؟
وماذا سيفعل العرب كمجموعة موحدة للتأثير في أروقة صناعة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لتحقيق مصالحهم؟ وما نلاحظه مع كل أسف هو أن السنوات تمر والرؤساء يأتون ويذهبون والأمور على حالها: بكاء العرب على الأطلال ونفوذ اللوبي الصهيوني في دهاليز السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط والتأثير على صناعتها بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني. فاليهود فهموا جيدا اللعبة ويعرفون كيف يحصلون على ما يريدون من الإدارات الأميركية المتتالية سواء كانت ديمقراطية أم جمهورية.
يعيش في أميركا ستة ملايين يهودي، أغلبيتهم تدعم الدولة العبرية وتشعر بالارتباط الروحي والمعنوي والقومي بها. ويتشكل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية من لجنة الشؤون العامة الأميركية ؟الإسرائيلية ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية المختلفة. ويمتلك اللوبي اليهودي فروعا في مختلف الولايات الأميركية وله علاقات وثيقة بمراكز القرار والمتمثلة في الكونغرس والبنتاغون والبيت الأبيض. كما يتغلغل اللوبي اليهودي في الصناعات الإعلامية والثقافية الأميركية.
وهنا تجدر الإشارة إلى الاستثمارات الكبيرة لليهود في مجال الإعلام والفن والصناعات الثقافية والأفلام وصناعة الكتب والمطبوعات وصناعة الفكر والرأي العام. كما يتواجد اللوبي اليهودي وبصفة معتبرة في كبريات الجامعات الأميركية وأهمها وأعرقها، وفي مراكز البحث العلمي ومؤسسات «شويًَ شوفًَ» وبيوت الخبرة وغيرها من المنظمات التي توفر البحوث والدراسات والإحصائيات والتقارير وتصنع الذكاء على حد تعبير الأميركيين، وتساند صناعة القرار.
فبالنسبة للوبي اليهودي، يربط أميركا وإسرائيل مصير واحد ومصالح واحدة وبذلك فإنه من المستحيل أن تتناقض أهدافهما ومصالحهما، هذه المسلمة جعلت عددا من المسيحيين ومن اليمين المتطرف في أميركا ينخرط في اللوبي اليهودي ويناضل من أجل تحقيق أهدافه وسياساته. فبالنسبة للمسيحيين الأصوليين المتشددين دعم إسرائيل مبدأ يجب العمل به، أما غير ذلك فإنه يتنافى مع إرادة الله.
وهناك شخصيات دينية نافذة ومؤثرة في أميركا من أمثال غاري بوير، جيري فالويل، رالف ريد وبات روبرتسون وغيرهم كثر يستعملون وسائل الإعلام والمنابر السياسية والدينية لنشر الفكر المساند لإسرائيل ولسياستها الاستعمارية الاستيطانية والتوسعية في فلسطين. وإلى جانب رجال الدين هناك السياسيون من أمثال وليام بنيت، روبرت بارتلي، جين كيركباتريك، إيليوت أبرامز، بول ولفوينز وغيرهم ممن يلتزمون التزاما كبير وبدون شروط للتفاني في خدمة الدولة العبرية واللوبي اليهودي.
عميد كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة
