ما تشهده إسرائيل في يومنا هذا ثالث انهزام من قوات المقاومة العربية (وليست الدول)، إنها ترجمة للإرادة الشعبية وقد قال فيها الشاعر العربي التونسي أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوماً اراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
ليست هناك عقلانية لاستمرار دولة منبوذة من جيرانها لأكثر من 60 عاما، إن العرب أصحاب حق وليسوا بحاجة لعطف ودعم أميركا، إسرائيل هي التي بحاجة له وهي دأبت على انتهاج جميع الطرق لتحقق ذلك حتى لو تتطلب التغلغل استخباراتياً في الدوائر العسكرية والحكومية لحليفتها لتحقيقه، يا لها من حليف!
فلسطين وكفى «البيان» 4 / 8/ 2004، حيث كتب الكاتب: 16 سنة من مفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين ولم تأت بشيء، وخمس سنوات من مطالبة الرئيس الأميركي بوش الابن بأن تكون هناك دولة فلسطينية (هذا لا يشكل اعترافاً من الولايات المتحدة بل على إسرائيل ان تقوم به من خلال المفاوضات مع الفلسطينيين) ولم يأت بشيء، وعدة مشاريع عربية للسلام طرحت ولم تأتي بشيء.
فلسطين وكفى انتهى حلم إسرائيل فقد كسر حزب الله أيديه وحماس أضلعه، اننا نمر في منعطف تاريخي إستراتيجي يتمثل في إلغاء أجزاء كبيرة من تراكمات اتفاقية سايكس بيكو 1917، وهذا ما يزعج الدول العظمى والدول التي تبلورت من هذه الاتفاقية.
الحرب الإسرائيلية الفلسطينية انتهت وفشلت جميع المحاولات والمعارك الإسرائيلية لفرض حل سياسي أو عسكري على الفلسطينيين أو حتى العرب، اننا فيما يسمى بالوقت الضائع، فإلى ان يأتي حلفاء إسرائيل لترتيب حفظ ماء وجهه لها (كما كان الحال عند انهزامها في لبنان حيث تم إرسال القوات الدولية لحمايتها من حزب الله والذي لم يدخل حدودها بل العكس هو الصحيح فهي التي دخلت الحدود اللبنانية، سبحان الله !) سيراق المزيد من الدماء والدمار.
نعم ما تحققه «حماس» هو قلب الموازين الاستراتيجية، فالكفاح والدم البارد الذي قدمه الفلسطينيون على مر العقود من الزمن لن يذهب سدى، فلن ينسى أحد في العالم القضية الفلسطينية وجرائم الحرب ضد الإنسانية والتطهير العرقي الذي مورس ضد الفلسطينيين، إن هذه التضحية الفلسطينية ستكون القضية الإنسانية التي سيتناولها العلم في القرن الـ 21 كمثال لمعاناة الشعوب تحت أعين العالم دون ان يرفع أحد اصبعا، وهنا يطرح السؤال نفسه من هي الدولة الغربية التي ستطلب الغفران وستقوم بدفع التعويضات لشعب فلسطين لإبراء ضميرها.
لندون هنا بعض عوامل الفشل الاستراتيجي التاريخي لإسرائيل:
1- لم تستطع إسرائيل أن تكون جزءا ذا نفوذ استراتيجي في الشرق الأوسط بل نجحت في ذلك داخل الولايات المتحدة وأميركا ليست الشرق الأوسط (خطأ في التوجه الاستراتيجي).
2- لم تستطع التطبيع والتطبع مع الشعوب العربية المحيطة بها ويعزو البعض هذا إلى نظرتها العنصرية نحو العرب (خطأ في التوجه الإنساني).
3- قامت الصهيونية الدولية بنقل اليهود العرب والذين كانوا يشاركونهم في الوزارات والتجارة والمجتمع العربي بصفة عامة كما كان في بغداد والقاهرة وسبب ذلك افتقاد الحلقة التي تربطهم بالعرب، فعزلوا أنفسهم فعزلهم العرب (خسرت إسرائيل جيلين من اليهود العرب ممن كان لهم شأن ورأي في القرار العربي).
هذه الأخطاء والكثير من غيرها متمكنة ومندمجة في تاريخ الحاضر كما نعيشه الآن وغدا، إن زلزال غزة أتى في ظروف تحسبها إسرائيل لصالحها فانقلبت عليها، لقد فشل العتاد الإسرائيلي في لبنان واغتيالات الموساد والاستخبارات العسكرية، فلكي تستعيد هيبتها لم تطق أن تذهب نحو حزب الله الذي ولاها الدبر مرتين لا بل دعت العالم أجمع ان يحميها منه وهل سنرى هذا يتكرر حول غزه ؟
هناك عوامل كونية تتفاعل مع الواقع لترهق خيارات إسرائيل، فالولايات الأميركية منهكة من حرب العراق وأفغانستان وتتدمر اقتصاديا من الانهيار المالي ويسود هذا الوضع الكثير من أصدقائها، هذا وتحتضن إسرائيل أساتذة العالم في نظرية اللعب سواءً في الجهاز الأمني أو الأكاديمي وهنا نقول لهم اللعبة انتهت، والى موعد آخر، اما الآن «كش ملك».
اما في الجانب الآخر من هذه العوامل فإن الشعب الإسرائيلي يصفق لقتل الفلسطينيين ولكن يرتعب من صواريخهم فالجندي الإسرائيلي لم يمت عنده أحد من عائلة لينتقم لهم عكس الفلسطيني، فغضب الجندي الفلسطيني عارم وآتٍ فأين المفر، ان الانتصار الفلسطيني في غزة له تداعيات استراتيجية على العرب فقد فشلت الولايات المتحدة في فرضه عليهم بغزوها على العراق، إن الترتيب الجديد يفرضه الداخل وليس الخارج.
وأخيرا، فليتذكر الجميع بأن التتار دمروا الحضارة العربية في بغداد واسالوا دماء مئات الآلاف وفي طريقهم لحصد المزيد، هزموا في عين جالوت والصليبيون في حطين، إن انتصارات العرب في التاريخ المعاصر انطلقت من فلسطين ليتبعها ترتيب عربي جديد، وهنا وجب التنويه ان هناك صراعا أيديولوجيا بين الدولة الصهيونية وحركة المقاومة التي تشمل تيارا شعبيا تتخوف (الدولة) من أن يستلبسها ولربما يعطينا هذا احد التفسيرات بأن الشعوب في عالم لنصرة الفلسطينيين والحكومات في عالم آخر.
كاتب إماراتي