يبدي كل من روسيا وحلف شمال الأطلسي «ناتو» الرغبة في إعادة العلاقات المجمدة منذ أزمة القوقاز في نهاية الصيف الماضي. وما تنتظره روسيا من خطوات من قبل «ناتو» في اتجاه استئناف العلاقات خطوات عديدة، ويأتي في مقدمة الخطوات المرجوة تخلي «ناتو» عن كل الطموحات العدوانية تجاه مجال مصالح روسيا.
ثانيا يجب أن يصبح الناتو شريكا حقيقيا لروسيا يأخذ في الاعتبار رأي الشريك الآخر. والأكثر أهمية هو أن الناتو مطالب بإتباع ما يسميه بنهج الباب المفتوح إزاء روسيا أيضا، حيث أن «ناتو»يعلن على الملأ أنه يبقي الباب لقبول الأعضاء الجدد مفتوحا على الدوام، ولكنه لم يوجه الدعوة إلى روسيا لتنضم إلى الحلف.
البعض في حلف «ناتو» والغرب يتحججون بأن الروس لا يريدون أن تصبح بلادهم عضوا في «ناتو»، وهذا أمر صحيح إلى حد كبير، ولكن هذا ليس المبرر الذي من شأنه يمتنع الناتو عن توجيه الدعوة إلى روسيا للدخول في عضويته حتى يكشف عن حسن نواياه تجاهها ويبدد الكثير من الشكوك والشبهات المتبادلة. لكن الواقع أن «ناتو» الذي يبدي استعداده لقبول عضوية أية دولة ليس مستعدا لأن يعلن أنه يدعو روسيا لعضويته، والأسباب مفهومة، إنهم في قيادة الحلف في بروكسل يقولون، وماذا لو دعونا روسيا للدخول في عضوية الحلف وقبلت روسيا الدعوة؟
لا شك أن هذا أمر محتمل، خاصة وأن العديد من دول أوروبا الكبيرة تتمنى دخول روسيا في الحلف، ولكن هذا الأمر المحتمل صعب حدوثه، لأن روسيا لا يمكن أن تكون عضوا عاديا في الحلف مثلها مثل أية دولة أخرى، كما أن العسكرية الروسية لا يمكن أن تقبل بتلقي أوامر من قادة أميركيين أو أوروبيين، فلقد سبق أن رفض الفرنسيون قيادة الضباط الأميركيين والبريطانيين للحلف، فكيف ستقبل روسيا بهذا الأمر؟
كما أن هناك جانباً مهماً في القضية، وهو أن قوة روسيا العسكرية حسب تقارير الأمم المتحدة ومعهد استكهولم للدراسات والتحاليل الاستراتيجية تعادل مرتين قوة الحلف بدون الولايات المتحدة الأميركية، وهذا يعني أن وجود روسيا داخل الحلف سيخل حتما بتوازن القوى داخله، ومن الممكن أن يخلق جبهة مضادة لواشنطن إذا ما استقطبت روسيا بعض دول الحلف لصفها، وهنا ممكن أن تنشأ النزاعات والمشاكل التي تهدد بقاء الحلف ككل.
الخبراء الاستراتيجيون الذين اهتموا من قبل بمسألة دخول روسيا في عضوية حلف الناتو رأوا أن استحالة هذا الأمر تنبع أساسا من الاختلاف الجذري في النظرية والتطبيق بين العسكرية الروسية والعسكرية الغربية داخل الحلف، خاصة وأن الحلف تأسس منذ البداية في مواجهة الخطر السوفييتي «الروسي»، وحتى الآن لم يثبت بعد أن الحلف تخلى تماما عن توجهاته القديمة، بل أن روسيا تتهم الحلف دائما في توسعاته تجاهها بأنه يسعى لمحاصرتها ويستهدف عزلها عن جيرانها، وبالتالي فإن روح العداء بين الجهتين قائمة وموجودة ويصعب نفيها.
روسيا ترفض تماما الانضمام لعضوية حلف «ناتو»، بل أنها ترى أن الحلف ليس له مستقبل، وأن الدول الأوروبية الكبيرة أصبحت تشعر بأن الحلف أصبح يشكل عبئا كبيرا عليها تريد التخلص منه، وخاصة بعد تورط الحلف في الحرب في أفغانستان، هذا إلى جانب أن الأوروبيين أصبحوا يشعرون بأن الحلف يعوق تقاربهم مع روسيا، ويشكون في نوايا واشنطن من وراء استخدام الحلف لمضايقة روسيا، فقد صممت واشنطن على ضم جورجيا وأوكرانيا لعضوية الحلف لكن الأوروبيين صمموا على رفض ذلك حتى لا يدخلون في مشاكل مع روسيا.
الآن يسعى الأوروبيون لضم روسيا لمنظومة أمنية أوروبية جديدة، ويدعون واشنطن للانضمام لهذه المنظومة، لكن واشنطن تشعر بأن هذه المنظومة هي الخطوة الكبيرة للقضاء على حلف«ناتو» وانهياره.
كاتبة روسية