ما مغزى ان يوقع 60 نائباً برلمانياً بريطانياً على مذكرة احتجاجية ضد هيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي. سي»؟ بادعاء المحافظة على «الحيادية» الإعلامية رفضت بي بي سي بث نداء استغاثة يتضمن دعوة لجمع تبرعات من أجل ضحايا العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

النداء صدر عن لجنة قومية بريطانية يطلق عليها «لجنة طوارئ الكوارث» وينضوي تحت لوائها منظمات خيرية كبرى مثل «أوكسفام» و«الصليب الأحمر». تصرف بي. بي. سي لا ينبغي ان يكون مثار دهشة بالنظر إلى أن الحركة اليهودية الصهيونية في بريطانيا لها عناصر نافذة على المستوى الإداري الأعلى في المؤسسات الكبرى العاملة في مجالي الصحافة المطبوعة والصحافة الإلكترونية. وكما نعم فإن مثل هذه الظاهرة مألوفة في البلدان الأوروبية الأخرى والولايات المتحدة. ما يثير الدهشة حقاً هو رد الفعل الشعبي القوي والفوري في بريطانيا ضد بي. بي. سي.

فإضافة إلى ثورة قسم لا يستهان به من نواب مجلس العموم البريطاني، كما سبق الإشارة خرجت مظاهرة حاشدة في لندن توجهت صوب مقر هيئة الإذاعة البريطانية مطالبة ببث النداء متزامنة مع مظاهرة مماثلة في اسكتلندا. وترافق مع ذلك حملة انتقادات ضد بي. بي. سي شنتها صحف بريطانية.

رد فعل قوي وفوري كهذا في بريطانيا لم يكن حتى قابلاً لمجرد التصور الخيالي قبل عشر سنوات بالنظر إلى الخوف الشائع بين النخب البريطانية من البطش اليهودي الصهيوني الذي يمارس باسم مكافحة «معاداة السامية» ضد كل من يصدر عنه نقد عام لإسرائيل أو الحركة اليهودية بوجه عام، ما المغزى إذن؟

من الواضح ان التحرك الشعبي البريطاني الذي جرى خلال الأسبوع ضد بي. بي. سي هو امتداد لفورة الاحتجاجات والمظاهرة الغاضبة التي اندلعت ليس في بريطانيا وحدها وانما عمت كافة الدول الأوروبية تقريباً ضد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ـ الأمر الذي لم يكن ليرد على الخاطر قبل عدة سنوات، ولا يمكن ان نستخلص من ذلك إلا ان موجة الخوف العام في أوروبا من «البعبع» اليهودي آخذة في الانحسار. في تقرير تحليلي نشر قبل أسبوعين قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية النخبوية ان المظاهرات التي جرت في ألمانيا وهولندا على خلفية الحرب الإسرائيلية على غزة كان تهتف «حماس.. حماس.. الموت لليهود».

وفي امستردام، تضيف الصحيفة، خرجت مظاهرة كان يسير في صفها الأمامي النائب البرلماني هاري فان بوميل والسيدة غريتا دوسنبيرج أرملة أول رئيس للبنك المركزي الأوروبي، وتلاحظ الصحيفة بوجه عام أنه «يبدو وكأن الشارع العربي يمتد بعمق داخل باريس ولندن وبرلين ومدريد». والسؤال الذي يطرح هو: هل يستطيع العرب استثمار الغضب الأوروبي ضد الابتزاز السياسي اليهودي؟

opinion@albayan.ae