كشفت أهوال غزة عن مسألة بالغة الأهمية في السياسة العربية المعاصرة وهى ركوب الموجة مع الراكبين، بل والمزايدة عليهم أيضا. وركوب الموجة يشمل كافة جوانب حياتنا بدءا من ممارسات الحياة اليومية وحتى الممارسات الجماعية العريضة بما فيها الجوانب السياسية وتأثيراتها الخطيرة.

ولركوب الموجة ممارسات وأبعاد مختلفة، تبدأ من الصدفة البحتة التي قد تقود أي منا ليجد نفسه مشتركا في حشد للتعبير عن رأي لا يفهم أبعاده أو أسبابه.

أو قد تقود أيا منا لأن يوقع على بيان اجتماعي أو سياسي مدفوعا برؤية زملائه الآخرين وهم يسبقونه في التوقيع. أو حتى قد تقود أيا منا للتبرع من أجل أمر ما بسبب الشعور بالخجل الذي يلزمنا حينما نجد من حولنا يهرع لصندوق التبرعات، ونحن واقفون لا نحرك ساكنا.

فكم من ممارسات حياتية تتم على هذا المنوال بما فيها بعض مما يتعلق بمصائرنا مثل الزواج وشراء الأسهم والعقارات. في بعض الأحيان تتم هذه الممارسات من خلال عقلية القطيع التي تشملنا، لكنها في البعض الآخر تتم عن وعي ودراية، وباستخدام محترف لأسلوب مجاراة السياق المحيط، ومواكبة الحدث، حتى ولو بغير اقتناع وعلى مضض.

وإذا كان الأمر يتم على هذا المنوال في ممارساتنا الحياتية اليومية العابرة، فإنه لا يتم على هذا النهج في عالم السياسة وحساباتها الأقرب للانتهازية والحفاظ على المصالح الخاصة.

فركوب الموجة في السياسة له تبعات وعليه التزامات، ويرتبط بتحقيق مصالح ومكاسب مختلفة. ويمكن الحديث عن مأساة غزة كمثال واضح وجلي للكيفية التي تعاملت بها الدول العربية المختلفة مع موجة الإدانة والشجب والتنديد التي تعالت صيحاتها منذ اليوم الأول وحتى انتهاء البربرية الإسرائيلية الأميركية على غزة.

والملاحظ أن موجة التنديد هذه لم تنفصل عن موجات أخرى في عالمنا العربي مثل موجة العقلانية والرشادة والاعتدال والممانعة والحياد والمصالح القطرية ونبذ الأيديولوجيات المختلفة بما فيها التوجهات الإسلامية والعروبية.

فقط كانت موجة التنديد التي ارتبطت بغزة والمعتادة من قبل العالم العربي الشماعة المفاجأة التي ارتبطت وتواشجت مع غيرها من الموجات الأخرى السابقة عليها وفقا لطبيعة كل نظام وحساباته المختلفة.

بدأت أحداث غزة بتنديد قوي من قبل كافة الدول العربية ومطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، لكن البعض آثر الظهور بمظهر المحافظ على الموضوعية التي تعود أن يرتبط بها إما ركوبا لموجة العقلانية والاعتدال التي تروج لها الإدارة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي في المنطقة، ونالت إعجاب البعض في عالمنا العربي، وإما انتظارا لاتضاح وجلاء الصورة التي سوف تتمخض عنها البربرية الصهيونية في غزة، وهى الإستراتيجية التي دأبت المنطقة منذ سنوات بعيدة على إتباعها؛ المشاهدة والترقب والانتظار.

ولا يعني ذلك أن من بدأوا التنديد بقوة وعزم منذ البداية أفضل من هؤلاء الذين بدأوا بهدوء وعلى استحياء. فالموجة العربية التنديدية كانت من بدايتها لنهايتها مرتبطة بحسابات خاصة، وتعظيما لفوائد شتى ومتنوعة ارتآها المنددون.

بعض الذين نددوا وبقوة لم يكن أمامهم سوى التنديد، وجدوها فرصة متاحة لتجميع الحشود الجماهيرية المختلفة وإثارتها بدرجة أو بأخرى تجاه مأساة غزة والجرائم التي ارتكبتها الصهيونية الوقحة تجاه المدنيين.

ورغم نوايا الجماهير الطيبة من المحيط إلى الخليج إلا أن الكثيرين قد استغلوا هذه المشاعر الجماهيرية النقية وركبوا الموجة، وبتعبير أكثر دقة ركبوا الجماهير وساقوهم حيثما شاءوا وفقا لتجليات محرقة غزة، وحجم المد الشعبي المرتبط بها والمعبر عن أحداثها في الوقت نفسه.

وربما لم تظهر في عالمنا العربي منذ سنوات بعيدة كارثة تمت من خلاها المواجهة الحادة بين الحكام والشعوب مثلما حدث إبان مأساة غزة.

ولعل ذلك هو ما جعل البعض ينتقل من الصفوف المهادنة، أو الصفوف العقلانية إلى الصفوف الأكثر حدة وإدانة بل وتجمهرا. فالبعض أعجبته لعبة الجماهير وساقها نحو الوجهة التي يريد، خصوصا في بعض البلدان الهادئة التي لم تعتد هذا الشكل من الظهور الجماهيري.

وللتاريخ فإن معظم الجماهير العربية قد سبقت في الإدانة والشجب وحتى الرغبة في التبرع والمشاركة في المقاومة أنظمتها السياسية الحاكمة بمسافة كبيرة، وهو مؤشر جيد على معدن هذه الأمة، ووعي الجماهير العربية رغم حالة القمع التي تواجهها هذه الجماهير في الكثير من المناطق العربية.

لقد جاء التعبير الراديكالي لبعض النظم العربية تجاه مأساة غزة اضطراريا، ولم يعبر عن قناعة حقيقية بأهمية التنديد رغم أنه في التحليل الأخير لا يسمن ولا يغني من جوع. لكنه جاء اتقاء لوطأة الهبات الجماهيرية وتعبيرا عن التماهي معها، الأمر الذي أظهر هذه الأنظمة في الكثير من الأحيان متوحدة مع تطلعات شعوبها، ومحققة لرغباتها.

وهنا حقق ركوب الموجة الجماهيرية مصلحة مزدوجة لهذه الأنظمة؛ فمن ناحية أزال عنها تهمة التواطؤ ولو على المستوى الشكلي، ومن ناحية أخرى أزاح عنها أي تصاعد جماهيري قد يضر بشرعيتها السياسية.

ومن اللافت للنظر أن بعض الأنظمة العربية ركبت الموجة منذ البداية ولم تقدم شيئا، وبعضها الآخر ركب بعض الموجة وبشكل رئيسي في لحظاتها الأكثر مأساوية، وبعضها الثالث ظهر أنه يزاحم الجماهير في ركوب الموجة مفتعلا بعض الثورية على حساب دول أخرى بدت للجميع أقل ثورية.

ومن الغريب في الأمر أنه رغم كل هذه التفاوتات في ركوب الموجة لم يقدم أي طرف شيئا للغزاويين وتركوهم يموتون على مدار اثنتي وعشرين ويوما وهم يتبادلون أدوار التنديد والشجب وعيونهم في التحليل النهائي على شعوبهم وتحركاتها المختلفة. لقد انتهت مأساة غزة، وهدأت الموجة، وسكنت الشعوب، وعادت ربما لعادتها القديمة.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com