يروي المؤرّخ البريطاني المعاصر توني جوت، الحائز على جائزة الكتــاب الأوروبي لعام 2008 عن عمله «بعد الحرب:تاريخ أوروبي منذ عام 1945»، أنه كان منذ فترة وجيزة في مؤتمر بباريس حيث التقى بعضو لامع في الكونغرس الأميركي من الحزب الديمقراطي. لقد سمعه يتحدّث عن المسألة الفلسطينية بكثير من التعقّل والموضوعية، فما كان منه إلاّ أن وجّه إليه السؤال التالي: «سناتور، إنك لا تقول أبدا الشيء نفسه في تصريحاتك العامّة ؛لماذا؟».
وكانت الإجابة: «إن هذا ليس بسبب الناخبين اليهود في ولايتي. فأنا أستطيع الاستغناء عن أصواتهم من أجل إعادة انتخابي. الواقع هو أكثر بساطة. إذا ألقيت خطابا عظيما في مجلس الشيوخ أكّدت فيه أن إسرائيل مسؤولة عن جميع المشاكل وأن احتلال الضفّة الغربية غير مشروع وأنه عليها الانسحاب منها وإقامة الدولة الفلسطينية وأن تكون القدس مدينة مفتوحة.
إذا قلت ذلك كلّه فإن هناك احتمالا ضعيفا أن يقول لي عشرة من ألأعضاء أنهم موافقون معي وأنني عبقري وشجاع، لكن لن يتم الاقتراع أبدا بعد ذلك لصالح أي قانون أقدّمه في المجلس وحتى لو كان يخص مياه الشرب في ولايتي. ذلك أن اللوبي الموالي لإسرائيل سيمنع ذلك». ثم أضاف: «لماذا قد أكون بطلا في الشرق الأوسط دون إنجاز أي شيء وأخسر كل سلطتي؟».
كلام بليغ للسناتور الأميركي الديمقراطي. ويقول الكثير عن الواقع لذي يتحرّك فيه الرئيس الأميركي الجديد باراك اوباما حيال العالم العربي والإسلامي عامة والقضية الفلسطينية بشكل خاص.
ذلك على اعتبار أنها كانت ولا تزال وستبقى أحد «الجروح الغائرة» في المواجهة بين إرادة التحرر وبين «الإمبريالية» الغربية. وليس من منطلق إيديولوجي ولكن من حيث أنها غدت «عجينة العلاقات الدولية»، حسب تعبير لدومينيك مويزي، الأستاذ في جامعة هارفارد.
وعلى قاعدة معروفة مفادها أن أول شيء يفكّر فيه أي رئيس أميركي، وغير أميركي أيضا، هو إعادة انتخابه في الدورة القادمة، يمكن طرح السؤال الجوهري التالي:هل سيتصرف الرئيس اوباما على أساس نفس المنطق الذي ذكره السناتور الديمقراطي الأميركي للمؤرخ البريطاني؟. بتعبير آخر هل يمكنه التحرر من «الأصفاد» التي غلّت السياسة الخارجية الأميركية حتى الآن؟.
ليس هناك في الواقع أية إجابة واضحة. هناك مؤشرات في اتجاه، وفي عكسه. بعضها «إيجابي» وبعضها «سلبي»، بالطبع دائما تبعا للزاوية التي يتم منها النظر.
ومن المؤشرات الإيجابية حديث الرئيس اوباما منذ اللحظة الأولى لتولّي مهامه الرئاسية عن أولوية الوصول إلى السلام في الشرق الأوسط. هذا في الوقت الذي لم يتم فيه التعرّض أبدا للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في «المناظرات» التي كانت قد جرت قبل الانتخابات بينه وبين ماكين.
ومن المؤشرات الإيجابية إعلان الرئيس اوباما في خطاب القسَم عن رغبة فتح أفق جديد في العلاقات مع العالم الإسلامي ونبذ الحروب. ولم يذكر بالمقابل أبدا أي التزام حيال إسرائيل، على عكس ما كان قد فعله الرؤساء الذين سبقوه في مناسبة التنصيب الرئاسي.
ويمكن أن يُذكر في نفس السياق قرار الرئيس اوباما تعيين جورج ميتشيل مبعوثا إلى الشرق الأوسط والذي يُقال عنه أنه «لا أصدقاء ولا أعداء» له في الشرق الأوسط. ولم يقع اختياره على أحد الذين كانوا قد شغلوا هذا الدور في إدارة كلنتون السابقة، كما توقع كُثر.
بل وقدّموا أسماء مثل دونيز روس، المعروف بتحيّزه الفاضح لإسرائيل. التحيّز إلى حد أن السفير الأميركي الأسبق في إسرائيل اليهودي «دان كورتزنر» قد صرّح لمجلّة التايم أن تحيّز روس لإسرائيل منع استقباله كـ «وسيط شريف». ولم يعيّن اوباما مبعوثا «يهوديا»، كما درجت العادة وكأنها «قاعدة» مُسلّم فيها.
أمّا المؤشرات السلبية فمن بينها تعيين رام ايمانويل، الذي كان قد خدم في الجيش الإسرائيلي، في منصب الأمين العام للبيت الأبيض وسيكون له بالتالي صوتا مسموعا لدى الرئيس. وكان اوباما قد التزم بوضوح بـ «المحافظة على التفوق العسكري لدولة العبرية». ووعد بمنح إسرائيل 30 مليار دولار إضافية.
لكن موقف اوباما الأكثر دعما لإسرائيل كان أمام «لجنة الشؤون السياسية الأميركية ـ الإسرائيلية» اليمينية المحافظة المعروف عنها أنها أقوى مجموعات الضغط ـ اللوبي ـ الموالية لإسرائيل حيث قال: «ليكن الأمر واضحا: إن أمن إسرائيل مسألة مقدّسة. (... ).
والفلسطينيون بحاجة إلى دولة تتمتع بالتواصل الجغرافي وموحّدة تحقق ازدهارهم. لكن ينبغي لأي اتفاق مع الشعب الفلسطيني أن يؤمّن المحافظة على هوية إسرائيل كدولة يهودية مع حدود معترف فيها ويمكن الدفاع عنها. وستبقى القدس عاصمة إسرائيل دون تقسيمها».
الهام والجوهري في سبر حقيقة الموقف الأميركي في عهد اوباما هو في التعرّف على النقطة التي سوف ينطلق منها لمعالجة القضية الفلسطينية. فهل سوف يستلهم نهجه من «موديل» إدارة كلينتون السابقة، كما يتوقع البعض؟. كان التحيز الصريح لإسرائيل هو القاعدة في ظل تلك الإدارة قبل البدء بالمفاوضات، أي تثبيت التحيّز أولا ثم طرح «الوساطة».
وهل يمكن لسلّم أولويات الإدارة الجديدة، وبدقّة أكبر «سلّم مصالح أميركا» أن «يتعدّل» ؟. وبأي اتجاه؟. لا شك أن الحرب على غزّة وما نجم عنها من دمار وتخريب وأيضا من اهتمام لدى الرأي العام العالمي فرض الملف الفلسطيني كإحدى أولويات الإدارة الأميركية الجديدة.
لكن لعلّ الرئيس اوباما يجد أنه «من الأفضل» إعطاء الأولوية لملفات أخرى، مثل أفغانستان والباكستان، تحظى بالإجماع تقريبا في الكونغرس حتى من قبل الجمهوريين. هذا على عكس الملف الفلسطيني الذي تعني أية معالجة جديّة له الضغط على إسرائيل لقبول حل مما ينافي النهج الأميركي التقليدي لجميع الإدارات السابقة، وما لا يلقى أي إجماع في الكونغرس لدى الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء.
بكل الحالات ينبغي أن لا يفكر أحد بإمكانية وجود خصوم في الدوائر العليا للسلطة في واشنطن. فمثل هذا الأمل هو ضرب من التوهّم والتهويم. لكن فيها من يرون أن موالاة إسرائيل وضمان أمنها ومصالح أميركا في المنطقة أمور تتعزز كلّها عبر قيام دولة فلسطينية.
وعلى هذا الهامش «الضيّق» يبرز بصيص من الأمل. ألاّ إذا أفرطنا في التفاؤل وتصوّرنا إمكانية أن «يقوم اوباما بـ «ثورة جديدة» ويتحرر من كل «الأصفاد».
كاتب سوري – باريس
