فيما تحتدم الصراعات السياسية في البرلمان الأوكراني، وتواصل المعارضة ممثلة في حزب الأقاليم والحزب الشيوعي مطالبتها بمصادقة البرلمان على قرار بحجب الثقة عن الرئيس فيكتور يوشينكو تمهيدا لإقالته، أعلنت رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكو وزعيمة جناح البرتقاليين المعارض عن أنها لا ترى مبررا لإقالة الرئيس يوشينكو.

ويبدو أن المساعي الواقعية لدى تكتل تيموشينكو قد توصلت إلى تغليب مصالح أوكرانيا على خطط تدمير يوشينكو وإنهائه سياسيا، باعتبار أن إجراءات حجب الثقة ستحتاج على الأقل لعدة شهور، في نفس الوقت الذي يفترض أن يتم إجراء انتخابات الرئاسة في بداية الخريف القادم.

وبالرغم من أن قرار تيموشينكو بعدم خوض معركة حجب الثقة عن الرئيس، يمنح فيكتور يوشينكو الفرصة لخوض معركة انتخابات الرئاسة القادمة، إلا أنه سيجنب الخزينة الأوكرانية نفقات إجراءات عزل الرئيس وسيؤدى لتهدئة التوتر الحاصل والذي يهدد بانقسام البلاد.

ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن يوليا تيموشينكو رئيسة الحكومة لم تتخل عن فكرة عزل يوشينكو من منصب الرئاسة إلا بعد أن كشف الوضع الراهن عن تنامي قاعدتها الشعبية بشكل كبير، وعن ضآلة فرص الرئيس يوشينكو في العودة لمنصب الرئاسة من خلال الانتخابات القادمة.

بل أنها تواصل هجومها ضد يوشينكو من خلال اتهام الرئيس بإعداد خطة لتمديد فترة رئاسته عبر افتعال أزمة مدفوعات الديون تمهيدا لإعلان حالة الطوارئ التي تمنع إجراء الانتخابات. وذلك من خلال تقدم شركة «مورغان ستانلي» الأميركية بطلب لاسترداد قرض قدره مليار دولار قدمته إلى أوكرانيا في عام 2007.

ولكن لابد من القول إن عدم فتح ملف حجب الثقة عن الرئيس فيكتور يوشينكو يقطع الطريق أيضاً أمام إدانة سياساته الحمقاء بشكل رسمي، والتي تسببت في تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتدهور العلاقات مع روسيا، وتأجيج العداء بين الشعبين الأوكراني والروسي.

وقد تسببت أزمة الغاز في إثارة مشاعر العداء لروسيا في الشارع الأوكرانى، كما أنها كانت ورقة ضغط رفعا يوشينكو في وجه موسكو لحساب الغرب، ولحساب دعاة استغناء أوروبا عن الغاز الروسي والبحث عن مصادر بديلة للطاقة.

إلا أن تعامل تيموشينكو مع هذه الأزمة والذي تعارض مع توجهات الرئيس يوشينكو كان أكثر ذكاءً، لأنه استند إلى حل أزمة أوكرانيا وإبعاد شبح نقص الطاقة عنها، وقدم لأوروبا دليلا ملموسا على إمكانية اعتماده على حكومة كييف في ضمان حصوله على الطاقة.

ومما لاشك فيه أن نجاح يوليا تيموشينكو في تسوية أزمة الغاز مع روسيا قد وسع من دائرة أنصارها داخل أوكرانيا، كما انه زاد من ثقة الغرب في قدراتها على إدارة شؤون البلاد وعلاقات أوكرانيا بما يضمن تحقيق المصالح الأوروبية، كما ان هذا النجاح والذي استند على علاقات رئيسة الحكومة مع موسكو، وطد من صلاتها مع القيادة الروسية.

بعبارة أخرى اضفى على رئيسة الحكومة صفة المنقذ في مواجهة سياسات يوشينكو التي تسببت في تفجير أزمة الغاز مع شركة (غاز بروم) الروسية.

وإذا كانت تيموشينكو قد بدأت تخوض حملتها الأنتخابية لمنصب الرئاسة استنادا لانجازات ملموسة، فأن دعوتها لعدم فتح ملف حجب الثقة عن الرئيس فيكتور يوشينكو قد تعنى أنها لا ترغب في تثبيت سابقة في تاريخ أوكرانيا تكرس إمكانية عزل الرئيس بقرار من البرلمان.

خاصة أنها تستعد لتولى منصب الرئاسة خلال شهور قليلة في ظل موازين قوى سياسية وتحالفات ليست واضحة المعالم. وتنذر بمعركة انتخابية مع حزب الأقاليم الذي يتزعمه المرشح الثاني للرئاسة فيكتور يانكوفيتش والذي يعتبر أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها شعبية.

ويبدو أن العام الحالي، وبعد أن سقط الرئيس يوشينكو من حسابات الشارع السياسي، سيجبر بقية الأطراف السياسية في أوكرانيا على تحديد مواقفها بشكل أكثر وضوحا، ومواقعها في السلطة السياسية، لأن عدم التوصل لهذه التسوية سيزيد من مخاطر تفاقم الأزمة السياسية وانقسام البلاد.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru