لا شك أن الحضارة بكل صورها ومعانيها قد اجتازت حدوداً كبيرة في خدمة الإنسان، ولكن ذات الحضارة ببعدها الذي يسحق الفقراء ويسحق الحياة تَخرج من ذاتها فتصبح ذلك الجانب الوحشي لذلك المفهوم الذي يفترض أنه مخزون خير فحسب.
لقد سحقت الصواريخ والقنابل آلاف البيوت والمساجد والمستشفيات، وقتلت وجرحت آلاف المدنيين، وهي نتاج صناعات غربية حملتها طائرات غربية ورمتها على أولئك العزّل البسطاء من الناس، وقد شُحنت كلها من دول تدّعي الحضارة، وتدّعي أنها المدافع الحقيقي عن حقوق الإنسان، وأنها تهب وتصرخ وترسل المبعوثين عندما تفترض أن معارضاً لنظام ما، في مكان ما، قد استدعي إلى قسم للشرطة.
أو مُنع من التعبير عن رأيه، ولكنها لم تنتبه إلى أنه وعلى مدار ثلاثة أسابيع وطوال ساعات النهار والليل كانت الأسلحة المحرمة دولياً تنهال على المساكن والشوارع والملاجئ والمدارس ومباني الأمم المتحدة وعلى سيارات الإسعاف في أبشع صورة وأوضح صورة للاقتصاص الحربي من المدنيين، كل هذا المشهد لم يره أصحاب الحضارة الغربية الذين يساوون بين المقاومة وإسرائيل باعتبارهما مخالفين لقواعد القانون الدولي الإنساني.
أي منظار هذا وأي ثقافة هذه وأي حقوق للإنسان يتشدقون بها؟!.
أثناء الهجوم على غزة رفضوا في مجلس حقوق الإنسان أن يرسلوا لجنة تحقيق، ثم استنتجوا أن حماس ـ على حد تعبير المفوض الأوروبي ـ كإسرائيل تجاوزت القانون الدولي الإنساني.
إذاً بعض دول الاتحاد الأوروبي لا تريد أن تحقق فيما حدث ولكنها تريد أن تعلن نتائج «اللاتحقيق» الذي لم تجره أصلاً.
فعلامَ بنت بعض دول الاتحاد الأوروبي ومفوضيته لحقوق الانسان هذا الموقف المخالف للحقيقة وللمنطق، وبماذا يمكن أن تفسر هذه النتيجة التي وصلوا إليها في ظل رفضهم إجراء تحقيق دولي؟!.
بكل بساطة نقول: إن الرفض كان بسبب إدراكهم أن إسرائيل ترتكب مجازر وحشية، وببساطة نقول: إنهم ساووا بين الضحية والجلاد، لأنهم يريدون الدفاع عن الجلاد، ولأنهم بهذا التصريح يعتقدون ويريدون أن يؤثروا على القضاءات الوطنية في أوروبا، والتي تقام أمامها الآن الدعاوى ضد إسرائيل.
إن هذا الموقف الأوروبي يدحض ببساطة كل ما يقولونه عن ثقافتهم في حقوق الإنسان، وعن تراثهم في ذلك، ولعلّ البعض منهم يريد أن يُسمع ذاته أصداء تاريخه الاستعماري في العالم، ولعلّ بعضهم يريد أن يعفي نفسه من أدنى مسؤولياته السياسية والأخلاقية، والواقع أن على الغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يفهموا، لماذا رفض العرب والمسلمون زعمهم بأنهم يريدون أن يصدّروا إلينا الديمقراطية وثقافة حقوق الانسان؟..
لقد جاء الرفض انطلاقاً من ثقة وقناعة بأن الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان تتناقض مع الصمت المريب على المجازر، ومع تزويد إسرائيل بالذخائر والأسلحة لقتلنا وإبادتنا، وتتناقض مع وصف الدفاع عن النفس بأنه «إرهاب» وتتناقض مع إيمانات البعض أن حق الوجود للكيان الإرهابي «إسرائيل» يستلزم قتل أصحاب الأرض؟!
