افتقرت السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الاميركية إلى أبسط قواعد الدبلوماسية، عندما أكدت في أول مؤتمر صحافي عقدته في مقر وزارة الخارجية على حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها. و'أن الهجمات الصاروخية الفلسطينية على اراضيها لا يمكن أن تمر دون رد'.

فالسيدة كلينتون اطلقت هذه التصريحات غير المتوازنة في تزامن مع بدء جولة جورج ميتشل المبعوث الاميركي إلى الشرق الاوسط لاستطلاع أوجه السلام، والاستماع إلى وجهة نظر قادتها حول كيفية احياء العملية السلمية والدفع بها إلى الامام.

فمن المفترض ان تمتنع عن الادلاء بأي تصريحات استفزازية كهذه لتسهيل مهمة ميتشل وتجنب وضع اي عراقيل في طريقها، خاصة أن الادارة الاميركية الجديدة التي بدأت لتوها ممارسة صلاحياتها، ما زالت تتحسس طريقها وسط حقــل الغام في منطقة متفجــرة مثــل الشرق الاوسط، وينظر اليها الكثيرون بعين الشك من حيث قــدرتها على اجراء التغيير الموعود وتحسين صورة اميركا في منطقة تعاني من ويلات حروبها في العراق وأفغانستان.

وعندما نقول أن تصريحات السيدة كلينتون استفزازية وغير متوازنة، فاننا نشير بذلك إلى انها جاءت في اتجاه واحد، اي توجيه اللوم إلى الضحية، ومساندة جرائم الجلاد ومجازره. فالقول بأن الهجمات الصاروخية الفلسطينية لا يمكن أن تمر دون رد يعني تبرير كل الجرائم الاسرائيلية في قطاع غزة، ومن ضمنها قتل 1350 انساناً نصفهم من الاطفال والنساء، وتدمير ستة آلاف منزل، وتشريد خمسين الف انسان.

فالسيدة كلينتون حتى تكون وسيطاً نزيهاً ومحايداً في عملية سلمية تريد احياءها من جديد، عليها أن تتعامل مع الحقائق على الأرض بموضوعية مطلقة، ودون أي انحياز لهذا الطرف أو ذاك، والحقائق على الأرض الموثقة بالصوت والصورة، تقول أن القوات الاسرائيلية بالغت في استخدامها المفرط للقوة ضد اناس عزل. ولجأت إلى أسلحة محرمة دولياً مثل قنابل الفوسفور الأبيض، وتعمدت قصف مدارس تابعة لوكالة غوث اللاجئين الدولية ودمرتها فوق رؤوس الأطفال والنساء الذين احتموا بها.

وزيرة الخارجية الأميركية لم توجه كلمة لوم واحدة إلى الاسرائيليين، ولم تدن جرائمهم، ولم تتحدث مطلقا عن المعابر المغلقة، واستخدام الطعام كسلاح لتجويع مليون ونصف مليون فلسطيني، أعادهم العدوان الاخير إلى العصر الحجري. فكيف تكون وسيطا مقبولا، وتقود عملية سلمية وهي تتخذ مثل هذه المواقف الاستفزازية وتنحاز للمجازر وذبح الاطفال وتدمير بنى تحتية لأكثر الناس فقرا وحرمانا على وجه الخليقة؟

كنا نتمنى لو أن السيدة كلينتون اغلقت فمها بالكامل، ولم تنطق بأي كلمة، انتظارا لعودة مبعوثها ميتشل، والتعرف على ما يحمله في جعبته من اقتراحات وآراء وردت على لسان المسؤولين العرب الذين التقاهم في جولته هذه، ولكنها خيبت ظننا، وفتحت فمها لتتحدث باطلا، وتبدد آمال الكثيرين في المنطقة حول امكانية حدوث تغيير في السياسة الخارجية الامريكية في عهد ادارة اوباما الجديدة.

في جميع الاحوال سارت السيدة كلينتون على خطى رئيسها باراك اوباما، فقد امتنع طوال فترة الانتظار التي سبقت تولي مهامه رسميا عن ابداء اي تعاطف مع ضحايا العدوان الاسرائيلي في قطاع غزة تحت ذريعة أن هناك رئيسا واحدا في البيت الابيض، وعندما اصبح هو الرئيس تبنى النهج نفسه، وأظهر حرصه على أمن اسرائيل، ولم يدن مجازرها وجرائمها.

انها بداية غير مقنعة للادارة الاميركية الجديدة، ستعطي حتما نتائج سلبية، اذا لم يطرأ تغيير سريع على اسس السياسة الخارجية الاميركية في المنطقة، تعتمد الحوار الموضوعي، وتنتصر للمظلومين المدعومة حقوقهم بقرارات الشرعية الدولية.