ثمة من يسألني: لماذا الإصرار على مواصلة الكتابة عن دبي فيما المنطقة العربية غارقة في صراع «القمم»، من الرياض إلى الدوحة إلى شرم الشيخ انتهاء بالكويت؟ علق أحدهم: «غزة تغرق في الظلام وأنت تكتب عن دبي»!
غير أن أكثر الأسئلة سخرية: «ما موقفك مما يحدث في غزة؟»، سؤال تستقي عقلية مرددية من عقلية «محاكم التفتيش» أو «منطق» جوزيف مكارثي!فالتهمة جاهزة، وما أكثر التهم الجاهزة في العالم العربي، إن لم تعلن موقفك الصارم إزاء كل «مهزلة» عربية جديدة تتجلى فيها صورة الضعف والانقسام العربي. ويا لسخرية الأسئلة ..
. فهل ستعير آلة الموت المخزي في إسرائيل أي اهتمام لرأي عربي آخر يلعن إسرائيل أو يندد بالعدوان أو يمارس «نقد الذات» أو يؤيد هنا ويعترض هناك؟
لكن أحداثنا العربية الدامية وتراجعنا العربي المخيف يعطي شرعية أكبر ومبررا أوضح للكتابة عن دبي كنموذج تنموي فريد في العالم العربي، تجربة هي الوحيدة عربياً التي ينظر لها العالم، شرقه وغربه، باحترام وتقدير واعتبار.
ولأولئك الذين حاصروا الرأي العربي الناقد بالإقصاء والتهم الجاهزة لمجرد الاختلاف في الرأي والرؤية ثم لما حانت «خناقة» عربية جديدة، اتصلوا يستفزعون بي، في الوقت الضائع، أؤكد لهم أنني لا أنتمي لثقافة «الفزعات» الإعلامية لا مع «الممانعة» ولا مع «الموالاة». عاشت التصنيفات والتسميات العربية!
يا له من عقل عربي مبهر ذلك المبدع في ابتكار أدوات الانقسام والهوان في عالمنا البائس! ولهذا آثرت الكتابة عن دبي ليس عزوفاً أو خوفاً أو تردداً من الكتابة عن غزة ومأساة أهل غزة، ولكن قناعة بأن تجربة تنموية مختلفة مثل تجربة دبي هي واحدة من مفاتيح «الحل التنموي» في العالم العربي. وما زلت أسأل: هل ستفلح الكتابة في حل أزمات العرب أم أنها صارت للأسف أداة من أدوات تعميق الانقسام والبغض والتخلف بين العرب؟
تخيلت للحظة لو أن العقلية التي قدمت نموذجاً تنموياً عملاقاً مثل دبي انتشرت بين صانعي القرار التنموي الأعلى في العالم العربي ... كيف ستكون أولويات التنمية في العالم العربي وكيف سيتفاعل العالم مع قضايانا وآرائنا ودورنا؟
هناك جيل عالمي جديد يتشكل اليوم بثقافة تواصل عالمي مبهرة أدواتها تقنيات اتصال جديدة ربما عجز عن فهم أبعادها كثير من صناع القرار السياسي في منطقتنا وأكاد أجزم أن بعضهم لو فهم إلى أين يتجه العالم اليوم لتحول من صانع »قرار سياسي» إلى صانع «قرار تنموي» في مسيرة عالمية جديدة وتشكل فكري عالمي جديد سيجعل من تجربة خلاقة مثل دبي أنموذجاً يستحق الاحترام والتقدير.
وهكذا تصبح الكتابة عن دبي، خاصة اليوم ، مهمة وضرورية ليس تجاهلاً لقضايا أخرى وليس من باب إزجاء المديح لدبي لكن أملاً في فهم أكبر، في دبي وخارج دبي، لما تعنيه تجربة دبي لحاضر التنمية في العالم العربي ومستقبلها. وهي للأسف الشديد تجارب قليلة ونادرة تلك التنموية التي تستحق الاحتفاء والدراسة والمناقشة في عالمنا العربي. أنظر حولي، في كل الاتجاهات، لتجربة «تنموية» خلاقة فلا أرى سوى القليل.
وهنا أرفع القبعة في العلن تقديراً لأي تجربة نجاح عربية مثل تجربة دبي في دولة الإمارات وتجربة مدينتي ينبع والجبيل الصناعتين في السعودية. ليس فقط لأن تلك التجارب التنموية العملاقة قد نجحت ولكن أيضاً لأنها قدمت لنا نموذجاً يمكننا الاستشهاد به عند الحديث عن التنمية المأمولة في محيطنا العربي.
حينما نحاول قراءة مثل هذه التجارب العربية النادرة فلأن المستقبل القريب قادم لا محالة بتحديات خطيرة لإنسان منطقتنا ولن تفلح في مواجهتها تلك العقلية التي تصر على تعميق الانقسام في العالم العربي بين «موالاة» و«ممانعة».
وإن لا بد من «الخلاف» فليته يتحول إلى «اختلاف» في وجهات النظر تجاه خطط التنمية وأي المدارس التنموية نعتمدها أو نجربها. وأكاد أجزم بأننا في العالم العربي سنفلح حينما يصبح رموز المجتمع وواجهاته ومشاهيره هم من يخطط للتنمية وينشر المعرفة ويصنع الفرص الخلاقة أما العقول الشابة المبدعة في كل مجال.
يسألني قارئ كريم: هل التنمية بناء الأبراج العالية والطرق الواسعة؟ وأجيبه: نعم هي كذلك! فالأبراج العالية والطرق الواسعة لم تأت من فراغ فهي نتاج لمنظومة إدارية متكاملة تعنى بأقل التفاصيل. والبناء التنموي هو ذلك الذي يعنى أولاً بحياة الإنسانئ ويصنع بيئة إدارية تجعل من «الأنظمة» و«اللوائح» محفزات للإبداع والبناء وليست أدوات للقمع والتعقيد والتراجع!
وقبل أشهر، استقبلت شخصية مهمة من «نيويورك» وبعد جولة قصيرة في دبي، رأيت ملامح الدهشة والإعجاب نعم الإعجاب طاغية على كلامه ونظراته وكنت أدرك أن ردة فعله تلك لم تكن فقط إعجابا وانبهارا بما يستحق فعلا الإعجاب والإبهار في دبي.
ولكن أيضاً لأن الرجل وجد في دبي تلك «الصدمة» التي يمر بها كل زائر لدبي وفي وعيه الخارطة الكبرى لمنطقة لم يعرف عنها سوى صراعات السياسة وأخبار الحروب وفتاوى التكفير!
لكل هذا وغيره كتبت عن دبي وسأكتب!
كاتب ومستشار إعلامي