يثير هذا التساؤل حوارات ونقاشات حادة في الأوساط السياسية الروسية، وذلك في ظل تنامي قناعة لدى موسكو أن أوباما دخل البيت الأبيض الأميركي ليصلح ما أفسده بوش!

ومما لاشك فيه أن اوباما سيعمل على إصلاح ما أفسده بوش فيما يتعلق بالمصالح الأميركية، ولكن وفق رؤية جديدة لا تستبعد منطق العالم أحادي القطب، ولكنها تستند في تحقيق ذلك إلى أساليب غير عدوانية.

إلا أن مساعي أوباما ستواجه أزمات متنوعة قد تجبره على تقديم تنازلات فيما يخص أحادية القطب، وستجعله يقبل بوجود أقطاب أخرى. ولعل أبرز هذه الملفات هي الأزمة المالية العالمية التي ستجبر الإدارة الأميركية الجديدة على إعادة النظر في سياسات واشنطن السابقة،وتصحيح مسار السياسة الخارجية الأميركية.ومن غير المستبعد أن تجبر هذه الأزمة الولايات المتحدة على تأجيل تنفيذ مشروع الدرع الصاروخية، بسبب تكاليفه الباهظة. ما يعني بالضرورة ازالة أخطر عقبة في العلاقات الروسية-الأميركية.

كما انها ستدفع موسكو وواشنطن للبدء بشكل عاجل في مفاوضات تستهدف تقليص الأسلحة النووية، بهدف تقليص الأنفاق العسكري في البلدين، ما يعنى مزيد من التقارب بينهما.

وهو ما عبرت عنه تصريحات رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري، والتي أكد فيها على وجود إمكانيات جديدة أمام الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في الحوار مع روسيا حول تقليص الأسلحة،وتفهم موقف روسيا من المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ وتوسع حلف الناتو.

كيرى دعا إلى حوار بناء حول المصالح المتبادلة لتجنب الكثير من التأويلات الخاطئة والمواجهات التي غالبا من تكون ناجمة عن غياب الحوار وعدم إدراك نوايا الطرف الآخر.

وستحتاج واشنطن لبحث سبل تعاون جادة وحقيقية مع موسكو لحل المشاكل الأمنية وأزمات الملف الأفغاني، لأن هذا التعاون سيخفض من نفقات وزارة الدفاع الأميركية.

ولعل تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية عن حرص إدارة باراك أوباما بدء التعاون مع روسيا في أفغانستان، لتحقيق الاستقرار والمزيد من التنمية الاقتصادية والأمن في أفغانستان، يعبر عن الرؤية الأميركية الجديدة للعلاقة مع روسيا.والتي تختلف بالتأكيد عن سياسات بوش التي أوصلت العلاقة مع روسيا إلى القطيعة عقب انتهاء حرب القوقاز.

ويبدو واضحا أن أولويات السياسة الخارجية لإدارة أوباما تختلف بشكل كبير عن سياسات أدارة بوش،حيث تنوى واشنطن في ظل رئاسة اوباما ايقاف تصنيع أنواع جديدة من هذه الأسلحة، بعد أن كانت في عهد بوش تعد مشروعا لتطوير الرؤوس النووية وتحديثها.

وتراجع الاهتمام الأميركي بالملف العراقي، مؤشر ثاني على التوجهات الجديدة لدى أدارة اوباما.فقد أعلن الرئيس الجديد انه سينهي الحرب في العراق بطريقة مسؤولة،وسيسحب القوات الأميركية خلال 16 شهرا.

وقد تتفق الأداراتان على أهمية الملف الإيراني، إلا أن أدارة أوباما أبدت استعدادا لبدء مفاوضات مع طهران دون أي شروط مسبقة. بعد كانت أدارة بوش تصر على عدم إمكانية التفاوض مع إيران قبل ايقاف برامج تصنيع السلاح النووي.

ويمكن القول أن أعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأميركية جاءت لمواجهة التحدي الأعظم والمشكلة الأخطر في تاريخ الولايات المتحدة، وهى استئصال أثار وتداعيات الأزمة المالية،والتي تحتاج وفق برنامج اوباما إلى 800 مليار دولار، بالإضافة إلى الـ 700 مليار دولار التي قرر الكونجرس تخصيصها لدعم البنوك الأميركية.

ولاشك أن نجاح أوباما في تحقيق خطوات ملموسة في هذا الجانب سيعزز من توجهات سياسته الخارجية، وسيدعم نفوذه السياسي في الولايات المتحدة. إلا أن فشله في تحقيق وعوده للناخب الأميركي بإزالة أثار الأزمة المالية، سيدفعه بالضرورة إلى العودة لبرنامج أدارة بوش والبحث عن حلول عبر تشغيل مصانع الأسلحة والمعدات العسكرية، لخلق حالة نشاط رأسمالي توفر عائدات ما، للمواطن الأميركي تمكنه من تجنب تنامى البطالة مخاطرها في تفشى حالة الكسار في الأسواق. إلا أن هذا التوجه سيشكل الضربة القاضية لإدارة أوباما، ليس فقط لأنه يقدم حلول زائفة ووهمية للناخب الأميركي، وانما أيضا لأنه سيؤدى لتنامي التوتر في الساحة الدولية.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru