نحن العرب لا نتعاطى مع الأيديولوجيا كما باتت بعض المجتمعات تتعاطى معها. فالواقع أن البروز السياسي لبعض الأفكار قد أكسبها سلطة ونفوذا وقوة في بعض المجتمعات، إلا أنها مع مرور الزمن أصبحت متراخية من حيث مجالها الاجتماعي والثقافي رغم إمساكها بالفضاء السياسي كما هي الحالة الصينية.
أو أن يكون ثقلها وتأثيرها قد ضعف كثيرا أو قليلا كما هي في حالات الدول الاشتراكية في مواقع العالم المختلفة. وتبقى في هذا كوبا نموذجا مختلفا لأسباب متعلقة بشخص الرئيس الكوبي فيدل كاسترو بالتوظيف الأمثل للتهديد الأميركي لها في الاحتفاظ بهويتها الأيديولوجية.
بل أن هذا القول قد يمتد للحالة الإيرانية إذا ما حُيدت المتغيرات الخارجية وتحديدا الصراع مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية وبعض المتغيرات الداخلية ذات العلاقة بصراع القوة بين الأجنحة والقوى السياسية الإيرانية المختلفة، من حيث أن يفضي هذا التحييد على تقليص حضور الإيديولوجيا على المجال لسياسي للدولة دون أن يمتد ذلك للمجال الاجتماعي والاقتصادي.
أما في المنطقة العربية فأن المفهوم يضيق كثيرا ليقصد به حالة اعتناق الأفراد والجماعات لأفكار سياسية معينة والتماهي معها لدرجة التطرف.و يصبح الفرد بل الجماعة في هذا أسيرة أفكار وأطروحات سياسية معينة. تشكل المواقف من الأشياء وتطبع السلوك والتوجهات والاتجاهات ولربما أحيانا الهيئة والمنظر الخارجي للفرد.
كما هو في حالة بعض المتطرفين اليساريين في السابق وبعض المتشددين الاسلامويين الحاليين.أي أن تأتي هذه الايديولوجيا لتضع الأفراد في تجمعات مختلفة عن الآخر في السمات الاجتماعية العامة كالمأكل والملبس وطرائق الحديث بل واللغة الموظفة غيرها، أو بالأحرى لتميزهم عن الجماعات الأيديولوجية الأخرى..
وتتسم في الغالب أطروحات هؤلاء الإيديولوجية بالحدية والقطعية في مجالات تشكل النسبية ركنها الأساسي.
وقد استطاعت الكتابات الحديثة وتحديدا في أوربا أن تتجاوز بشكل واضح الحدية المطلقة للايديولوجيا، بل أن الكثير من الأطروحات الإيديولوجية الأولى وبإدخالها في المعمل العلمي، أي إخضاعها لمعطيات البحث العلمي والعقلانية البحتة، فإن بعضها قد تخلى عن تصلبه الإيديولوجي.
من هنا برزت في الفترة الأخيرة مدارس فكرية تتعاطى أطروحات أيديولوجية سابقة ولكن ضمن معايير البحث العلمي. أي أن تكون الأيديولوجيا اطارا للتحليل وليس منهجا للحياة أو الدولة. وهي حالة تبدو بعيدة بعض الشيء من أن نصل إليها في المنطقة العربية. ويكفي لترى ماذا فعلت الحروب الإيديولوجية بالعراق ولبنان وفلسطين.
ورغم درجة التحولات الاقتصادية وفي تقنيات الاتصال التي جاءت على بعض المواقع والمجتمعات في المنطقة العربية، إلا أن القاري والكاتب فيها ونتيجة لعمليات التنشئة السياسية التي يخضع لها مازال يعيش حالة من الانغلاق الفكري. فنحن مازلنا نعيش في عصر هيمنة الايديولوجيا ولكن بأشكال مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في بعض المجتمعات.
فأصحاب الإيديولوجيات الاسلاموية لا يقرؤون إلا لمثلهم ويتعايشون مع أفكارها، بل ويبشرون بعضهم بدولة اليوتوبية القادمة،و أصحاب الايدولوجيا اليسارية لا يعرفون في بعضهم إلا أسماء محددة، يقرؤون لها ولا يرون الحقيقة إلا من خلالها. بل أن المسألة تضيق في داخل الأطر التنظيمية .
والتي ترى الحقيقة لا في فضائها الواسع بل تنظر إليها من خلال ضيق فضاء غرفها المغلقة. فالآخر المختلف مرفوض والمتسق مقبول وتُرى الحقيقة ذات الأوجه المتعددة من خلال المنظار الإيديولوجي المعين.
وتكفي إطلالة على النشرات والمواقع الالكترونية والمحطات الفضائية الخاصة ببعض الأحزاب السياسية العربية أو الأحزاب الاسلاموية لنعرف حجم هذا الانغلاق، بل لنكتشف حجم هذا الضيق الذي بات عليه الفرد رغم وسع فضاء الدنيا..
وتعيش المنطقة العربية بدرجة أعلى من مناطق العالم الأخرى لدرجة عالية مما نسميه حالة ما نسميه بتسييس الدين، بل أن يتحول الدين الذي أنزل للعالمين، خاصا بالبعض دون الآخرين، وأن يصبح الدين فيها أداة وأيديولوجيا للشحن والتعبئة ونفي الآخر.
وما صراع الطوائف والأديان إلا شكل من اختراق الايديولوجيا للأديان، أو بالأحرى تحول بعض الأطروحات ذات الصبغة الدينية إلى أيديولوجيا تقارع الايديولوجيا الدينية والسياسية الأخرى وتنفيها. من هنا تتحول المؤسسات الدينية بمسمياتها ومستوياتها المختلفة لمنابر لنفي الآخر والتحريض عليه بل والدعوة لإنهاء حياته.
وتبدو الخطورة هنا في أن النقاش والتنافس ولربما الصراع لا يحدث بين أفكار مختلفة وإنما بين أديان وطوائف تحمل في جلها أطروحات مطلقة ونافية للآخر. وما صناعة الموت التي نشاهدها إلا أحد أشكال تحول الدين إلى أيديولوجيا.
ومع ذلك فإن هناك فئة جديدة في المنطقة العربية، رغم محدوديتها، تجاوزت الايديولوجيا وانفتحت على كل المنتوج الثقافي والإنساني البشري وتمثلت بعضا منه في سلوكها وفي علاقتها بالآخر، رغم بعض المؤشرات المحبطة عن حالة الانغلاق الفكري الذي يعيشه البعض في المنطقة العربية.
وخلاصة القول إن الايدولوجيا مهما كان شكلها أو مسمياتها، فإنها في كل حالاتها تُخرج المختلف عن الكل وترجمه بأسوأ النعوت التي قد تأتي إلى مسامعنا نشازا من على المنابر ولربما الوسائط الإعلامية المختلفة، إلا أن ما يرجع هذا الجزء أو الأجزاء يشكل الكل هي آلية القبول بالتعدد والتسامح.
بل القبول بأن المختلف هو المكمل للحقيقة التي ستبقى في عمومها نسبية غائبة عن العقل الإنساني وإن جاءت أيديولوجياته لتطفي عليها قدرا من الاطلاقية المعرفية. فالأيديولوجيا تبعدنا عن الحقيقة كما هي تبعدنا عن الكل، وتجعل من فضاء هذا العالم الرحب ضيقا وأن في تدميره الخلاص .
كاتب بحريني