لم يعد جوانتانامو اسما يرتبط في الأذهان بتلك الأرض الكوبية ذات السواحل الساحرة على الكاريبي وانما صار مرتبطاً بمعسكرات الاعتقال الخمسة التي شيدتها أمريكا في مقر قاعدتها البحرية المقامة على الساحل الجنوبي الشرقي من خليج جوانتانامو.

ويمثل معتقل جوانتانامو رمزا ليس فقط لجرائم الحرب وانتهاك القانون الدولي وانما أيضا لانتهاك القانون الأميركي نفسه. ولعل الموقع نفسه يحمل دلالة واضحة على سجل الولايات المتحدة الاستعماري في أميركا اللاتينية.

والقصة باختصار هي أن الولايات المتحدة كانت قد احتلت كوبا في 1898 أثناء الحرب الأميركية الأسبانية، ثم وافقت لاحقا على إنهاء احتلالها بشرط أن ينص دستور كوبا بعد الاستقلال على حق الولايات المتحدة في أن تستأجر إلى أجل غير مسمى ذلك الشريط الساحلي المعروف الآن بقاعدة جوانتانامو البحرية الأميركية وعلى ألا ينتهي ذلك الإيجار إلا بموافقة أميركية.

وحين وصل كاسترو للحكم، فشل في سعيه لإنهاء ذلك الوضع وظلت الحكومة الأميركية ترسل حتى الآن للحكومة الكوبية الإيجار السنوي في صورة شيك بمبلغ 4085 دولارا. وهي الشيكات التي لم تحصلها أبدا حكومة كوبا.

لكن أميركا ظلت منذ اليوم الأول لاستئجار ذلك الجزء من الأراضي الكوبية تصر على أنها ليست مسؤولة قانونا عما يحدث على تلك الأرض المؤجرة. ومع الوقت صار معنى ذلك أن تلك الأرض المؤجرة مكان ممتاز لاحتجاز من لاتريد أميركا له أن يخضع لضمانات الدستور الأميركي والقانون الأميركي.

وفي الواقع لم تكن إدارة بوش الابن هي أول من تفتق ذهنه عن تلك الفكرة. فقد سبقها لذلك إدارة بوش الاب. ففي أوائل التسعينات حين خرج الآلاف من أبناء هايتي بالقوارب هاربين من الحكم العسكري في بلادهم بعد الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المنتخبة وقاصدين شواطئ الولايات المتحدة طلبا للجوء السياسي، ألقت القوات الأمريكية القبض عليهم في عرض البحر ونقلتهم إلى قاعدة جوانتانامو تمهيدا لترحيلهم من هناك إلى بلدهم الأصلي لا إعطائهم حق اللجوء السياسي في أميركا.

وكان الهدف من ذلك الإجراء هو الالتفاف حول القانون الأميركي الذي يحظر على الحكومة أن ترحل لاجئا وصل لأراضيها إذا كانت تعلم أنه سيتعرض للأذى عند عودته. ومن ثم فقد كان نقل هؤلاء اللاجئين إلى جوانتانامو هدفه الزعم بأن هؤلاء اللاجئين لم يصلوا أصلا إلى الأرض الأميركية. فترحيلهم كان من جوانتانامو التي لاينطبق عليها القانون الأميركي!

وقد سار بوش الابن على درب أبيه بل وتفوق عليه في الواقع. فإدارة بوش كانت بعد 11 سبتمبر قد عقدت العزم على استخدام التعذيب ضد الذين يقعون في قبضتها. وكان تبريرها لتلك الجريمة المزمعة وقتها هو الزعم بأن هؤلاء «الإرهابيين» مدربون على احتمال تقنيات التحقيق التقليدية المتعارف عليها ومن ثم فإن الحصول على معلومات منهم لابد وأن يتم عبر طرق غير تلك التي تدربوا على احتمالها ومن ثم لابد من عزلهم عن العالم بحيث لايرون سوى من يحققون معهم والذين سمح لهم باستخدام كل الوسائل لإجبار المعتقلين على الإدلاء بالمعلومات.

ولأن كل ذلك فيه مخالفة صريحة ليس فقط للقانون الأميركي وانما للدستور الاميركي ذاته فقد وجدت إدارة بوش ضالتها في أرض جوانتانامو باعتبارها أرضا غير أميركية لاينطبق عليها الدستور الأميركي.

بقي القانون الدولي ليقف حجر عثرة أمام الجريمة التي كانت تعد لها إدارة بوش. ولذلك اخترعت تعبيرا أطلقته على من يتم اعتقالهم في جوانتانامو هو تعبير «المقاتلين الأعداء» لتزعم بذلك أنهم لاينطبق عليهم ماورد في اتفاقات جنيف بشأن معاملة الأسرى زاعمة أن مقاتلي القاعدة لاينتمون لجيش دولة ما حتى ينطبق عليهم ماجاء في الاتفاقية. وهو في الواقع تعبير غير مسبوق في تلفيقه ولا يعفى أميركا من ضرورة الالتزام بالقانون الدولي.

فاتفاقات جنيف تقول صراحة إن معاملة أسرى الحرب تنطبق على جنود الدولة المعادية الذين يتم أسرهم. وهي تنص أيضا على أن معاملة أسرى الحرب من حق المقاتلين في غير الجيوش النظامية مثل الذين يشاركون في حروب العصابات. بل أكثر من ذلك نصت الاتفاقية على أنه إذا كان هناك من شك فيما إذا كان المعتقلون يستحقون معاملة أسرى الحرب فإن الدولة التي أسرتهم عليها معاملتهم كأسرى حرب حتى تقضي محكمة مناسبة بغير ذلك.

لكن إدارة بوش لم ترد فقط التحرر من القانون الأميركي ومن القانون الدولي وانما سعت أيضا لأن تكون فوق الرقابة والمساءلة من جانب المؤسستين التشريعية والقضائية الأميركية. ومن ثم أنشأت لمحاكمة معتقلي جوانتاناموما أسمته «بالمفوضية العسكرية» وهو مالاينطبق عليه لا القانون المدني ولا حتى العسكري الأميركي.

وقد أنشئت تلك المفوضية أولا بقرار رئاسي منفرد دون أي موافقة من الكونجرس. ثم سمح في أعمالها بأن يتم إدانة المعتقل بناء على أدلة لايسمح له بمعرفتها ناهيك عن محاولة تفنيدها. ويسمح في هذه المحاكمة باستخدام أدلة تم الحصول عليها من خلال تعذيب المعتقل أو تعذيب آخرين.

وكأن كابوس جوانتانامو لم يكن كافيا فقد تبين أيضا في 2005 أن إدارة بوش كانت قد كلفت وكالة المخابرات المركزية بإنشاء عدد من السجون السرية في ثماني دول على الأقل حول العالم وأنها أيضا عكفت على برنامج يقوم على إرسال بعض من يتم اعتقالهم إلى دول أخرى معروفة بممارسة التعذيب من أجل انتزاع معلومات من ذلك المعتقل! كيف يمكن تفكيك كل هذا الكابوس؟ هل سيقوض أوباما كل هذا الإرث الثقيل كما تعهد؟ والأهم من ذلك هل تفتح إدارته تحقيقا بشأن ماحدث من جرائم في عهد بوش؟

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com