منذ اللحظات الأولى لانتخابه يحاول الرئيس الأميركي الجديد إشاعة أجواء جديدة لا ندري حتى الآن إذا كانت إيجابية، يسعى من خلالها لإقناعنا بتميّز إدارته عن تلك التي كانت تسيطر على العالم بالحديد والنار.

ومن خلال بعض القرارات السريعة التي وقّع عليها، يبدو أوباما كمن يحاول إعادة تشكيل فسيفساء السياسة الأميركية بطريقة تختلف كثيرا عن تلك التي كان يتبنّاها سلفه.

فهذا على الأقل ما بدأ من الخطوات الروتينية العديدة المتمثلة بقرار العمل لإغلاق معتقل غوانتانامو، إضافة إلى تعيينه مجموعة من الشخصيات البارزة التي تحظى بالثقة، والتي أوكلت إليها مسألة متابعة الملفات الساخنة حول العالم.

ما يهمّنا بطبيعة الحال هو الجانب الخارجي من هذه السياسة، لا سيما الشق المرتبط بقضايا الشرق الأوسط، حيث تبين من القراءة الأولى لأداء أوباما بأن الملفات المرتبطة بهذه المنطقة ستحظى باهتمام متميّز عن سلفه الدموي، انطلاقا من اعتبارات كثيرة قد يكون أقلّها ما هو مرتبط بالمصلحة القومية الأميركية وضرورة أحداث صدمة إيجابية في أكثر مناطق العالم توترا، تمحي ما ترسخ في الأذهان من كره ورفض للسياسة الأميركية المتبعة حتى الآن.

المعروف عن السياسة الأميركية أنها براغماتية الطابع وتتسم بالتالي بالخطوات العملية التي يتم التحرك من خلالها لرسم الصورة الشاملة عن أداء الإدارة التي تحكم البيت الأبيض. وقد يكون الوضع معززا مع الإدارة الجديدة التي تسعى لتحقيق ذاتها من خلال فرض بصمات معينة على الوضع العالمي، وهو ما يدعو لتوقع كثير من النتائج العملية، ولا أجزم بأنها ستكون إيجابية، خلال الأشهر والأعوام القليلة المقبلة.

بطبيعة الحال، ينتظر العرب كغيرهم من شعوب المنطقة التحرك الذي ستتبناه الإدارة الخارجية الجديدة تحت جناحي هيلاري كلينتون، في وقت يحبس فيه البعض أنفاسه شوقا وأملا بأن يتّسم تحركها بجرأة من نوع مميّز لملامسة الملفات الساخنة، ما يعني مقاربتها بشكل مختلف كليا عن الطريقة التي كان يتبناها المحور الصقوري حتى الآن.

هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الإدارة الجديدة ستختلف عن القديمة فيما يخص المصالح الاستراتيجية للبلاد والتي تبقى موحدة بغض النظر عن التباين الإيديولوجي المظهري، لكن نية تحقيق بعض النتائج الملموسة (وإن كانت قليلة) قد تتوفر بشكل أفضل لدى الإدارة الحالية.

التوق المحق من قبل أصحاب الشأن والقضية يتطلب حتما تنفيذ جملة من الأمور التي تقع على عاتقهم لوحدهم، باعتبار أنهم معنيون قبل غيرهم بتفاصيل الأزمة الممتدة منذ عشرات الأعوام، وبالتالي فان مسألة الدفاع عن الشعب وتحقيق الاستقلال وما شابه من شعارات ستكون من الأمور التي يفترض بهم أن يستمروا بحملها بين أجفان عيونهم مع كل ما يتطلب ذلك من تضحيات جسام.

لكن لا يظنّ أحد بأن الساكن الجديد للبيت الأبيض سيكون أكثر عربيا من العرب أنفسهم، أو أنه سيحمل العصاة السحرية التي ستجعل من العرب والإسرائيليين عشاقا ممتلئين بدفء الحب والحنان.

كما أن سحر الشرق لن يؤثر عليه من خلاله اسمه الوسطي «حسين»، لأن انتماءه الأول والأخير سيكون للولايات المتحدة الأميركية ومصالحها حتى لو أدى ذلك لسفك دماء كثير من «الحسينيين» العرب في هذا المكان أو ذاك، باعتبار أن هذه الدماء تبقى تفاصيل تافهة في قاموس الدول العظمى.

ويبدو لي، بأن أقل ما قد يكون مطلوبا من العرب والفلسطينيين تحديدا في خضم هذه التطورات، هو مجموعة من الأمور البديهية التي يفترض أن يكونوا قد اقتنعوا بها منذ زمن بعيد لأنها تشكّل أساسا لنجاح هذا النضال الصلب والمضني الممتد منذ عشرات السنين.

أبرزها حتما هو تأمين التضامن بين أبناء القضية الواحدة، إن كان من خلال التوافق المرحلي أو الاستراتيجي على سلسلة من الأمور التي تنسجم مع تطلعات الشعب لا مع ما تريد فرضه الأحزاب المختلفة، والكف عن الاستئثار بطريقة استغلال عذابات الشعوب ودمائها، لأن هذه الدماء البريئة والزكية ليست ملكا لأحد بل للوطن وحده.

بجميع الأحوال، لا يمكن لأي كان أن يحقق أهدافه المرحلية من خلال الإصرار على السياسة التي كان يتبعها حتى الآن. وإذا أردنا أن نكون أكثر تحديدا نتوجه إلى أطراف الصراع الفلسطيني لنقول لهم بشكل واضح: اتحدوا وتضامنوا لأن في ذلك خير لشعبكم، ولأن المرحلة الآتية هي دقيقة فعلا وتتطلب كل الجهود الممكنة لتحقيق بعض تطلعات الشعب الفلسطيني.

اغتنموا هذه الفرصة لأنها قد تكون مواتية على الأقل لتجنيب الشعب مزيدا من المعاناة والمآسي، وإذا كانت لدى البعض تطلعات استراتيجية أخرى، لا بد من تأطيرها ضمن مؤسسات رسمية عامة وحركة شاملة يتشارك فيها الجميع دون استثناء، لأن التاريخ علّمنا بأن التفرد في أي شيء هو منبع للخراب والدمار وليس للبناء.

أما أوباما فهو مطالب بكل تأكيد باحترام إرادة الشعب الفلسطيني مع كل ما قد يتسبب له ذلك بإحراج على صعيد الأداء السياسي أو فيما يتعلق بالتحالف الأعمى الذي تقيمه بلاده مع إسرائيل. لا أطلب من الرئيس الأميركي الجديد نقض كل تحالفاته أو معاهدات الدفاع الموقعة مع الدولة العبرية، لكنني أطالبه حتما بموازنة هذا الأمر مع مسألة قبوله بأبسط القواعد الديمقراطية المتمثلة باحترام إرادة الناخبين.

وهو أمر طالما أقنعتنا الولايات المتحدة بأنه ضروري جدا لتحقيق الصورة الديمقراطية السليمة. فهل سيتجرأ أوباما على الاعتراف بحركة حماس كأحد المكونات الرئيسية للمجتمع الفلسطيني ويتعامل معها انطلاقا من هذا الواقع؟

سيأتي أوباما «الأبيض» إلى الشرق الأوسط من بيت «سوّدته» أعماله الكثيرة بحق الشعب الفلسطيني وغيره من شعوب المنطقة. فلنأمل إذا أن السياسة المقبلة ستكون ملونة بألوان قوس قزح.. على الأقل في رؤيتها لواقع الشرق الأوسط.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz