ما أن هدأت الحرب العدوانية الصهيونية على غزة، التي حصلت في ظروف الانقسام الفلسطيني المعروفة، وفي ظل صراع المحاور العربية والإقليمية، حيث وجدت غزة نفسها في مواجهة إسرائيل، من دون أن يكون لمحور الممانعة أية استراتيجية موحدة ومدروسة لخوض الحرب ضد إسرائيل، حتى تفجر الصراع مجددا بين الأخوة الأعداء: حركة «فتح»، العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية.
والتي غابت لأول مرة منذ تأسيسها عام 1959 عن هذه المواجهة المسلحة مع إسرائيل، وحركة «حماس» التي تخوض صراعا عنيفا ضد السلطة الفلسطينية منذ سنتين.
عندما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة فتح في 1 يناير عام 1965، ولعبت دوراً بارزاً في تفجير الكفاح المسلح في فلسطين المحتلة وفي بلدان الطوق، جنباً إلى جنب مع باقي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية الأخرى، لم تشارك الحركة الإسلامية الفلسطينية في معمعان الكفاح المسلح الذي كان دائراً آنذاك.
واستمر لمدة عقدين من الزمن. وعندما انساقت معظم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في خط التسوية، والبحث عن حلول سلمية للصراع العربي ـ الصهيوني، وأصيبت المنظمة بالعجز والوهن، في ظل تراجع دورها على الصعيد العسكري، برزت « الظاهرة الجهادية» من خلال تفجر العمل العسكري الذي مهد لانطلاقة الانتفاضة الأولى، التي أبرزت دور الحركة الإسلامية الفلسطينية ممثلاً في حركتي الجهاد الإسلامي وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي تأسست بعد انطلاقة الانتفاضة.
وعندما أحدث بروز الدور الإسلامي في الانتفاضة، ومن ثم في الكفاح المسلح والعمليات الاستشهادية، حالة من الفزع لدى قادة العدو الصهيوني، حاولوا تصديرها إلى قيادة منظمة التحرير في الساحة الفلسطينية فأطلقوا فزّاعة البديل الإسلامي للمنظمة وللمشروع الوطني الذي تعبر عنه، ونجحوا من خلال تلك الفزاعة اصطياد قيادة منظمة التحرير في شرك التسوية فجرى توقيع اتفاق «أوسلو» المشؤوم في سبتمبر1993.
في الانتفاضة الفلسطينية الثانية لعب تنظيم «فتح» دورا رئيسا في المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، غير أنه وبين 29 مارس و4 أبريل 2003 وفي تحرك مكثف ومخطط بعناية تحت اسم «السور الواقي»، قام الجيش «الإسرائيلي» باجتياح الضفة الغربية واحتلال جميع المدن الرئيسية باستثناء الخليل وأريحا، موقعا 250 قتيلاً في صفوف الفلسطينيين وآلاف الجرحى إضافة إلى اعتقال 8 آلاف. ومحا شارون كل مظاهر الحكم الذاتي وأعاد سلطة الجيش الإسرائيلي إلى المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.
ولم يتأخر الفلسطينيون في رؤية حجم هزيمتهم خصوصا هؤلاء الذين قادوا الانتفاضة على الأرض، أي ميليشيات التنظيم التابع لـ «فتح» بقيادة السيد عرفات.
فلقد أدركت هذه الكوادر أن استراتيجيا الانتفاضة المسلحة ـ وخصوصا العمليات الانتحارية داخل «إسرائيل» ـ عادت بنتائج وخيمة على القضية الفلسطينية إذ قدمت لشارون ما يحتاجه من براءة الذمة من ناخبيه ومن واشنطن كي يستمر في طموحاته الاستعمارية الإسرائيلية في الضفة الغربية.
مع مجيء الرئيس محمود عباس (أبومازن) إلى موقع رئيس السلطة الفلسطينية، واقتناع القادة التاريخيين لـ «فتح»، بتبني البرنامج الأميركي باعتباره الوسيلة الوحيدة لتأمين إنقاذ دولي للقضية الفلسطينية، والقبول بخريطة الطريق والتخلي عن المقاومة كشرط لا بد منه على طريق بناء الدولة الفلسطينية المستقلة، تفاقم الصراع الأهلي الفلسطيني بين حركة «حماس»، حركة «فتح».
ولا سيما بعد أن تحولت الأولى من حركة مقاومة إلى حركة تمسك بزمام كامل السلطة في غزة، ومسؤولة عن مليون ونصف مليون فلسطيني،بعد الانقلاب الذي نفذته في يونيو 2007.
الآن الأوهام سقطت. الدولة الفلسطينية المستقلة أصبحت بعيدة المنال من الناحية العملية على الأقل.و جاء العدوان الصهيوني الأخير على غزة ليعزز البلبلة والتشاؤم في صفوف الشعب الفلسطيني، ويزيد من انهيار المشروع الوطني الفلسطيني، وتفسخ القضية الفلسطينية على طريق التصفية.
ولا سيما بعد أن تفجرت الحرب الإعلامية بين «حماس» و«فتح» اللتين تتصارعان على السلطة المنبثقة بالأساس من اتفاقيات أوسلو الموقعة بين إسرائيل وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، تلك الاتفاقيات المبنية على الاعتراف المتبادل، في حين أن «حماس» لا تعترف بدولة إسرائيل.
كاتب تونسي