حسب الحرب الإسرائيلية العدوانية السابعة في المنطقة منذ العام 1948 لم تعد هنالك أسلحة أو عتاد من نوع المحرم أو الممنوع. إسرائيل تمطر أهل غزة بمن فيهم من شيوخ ونساء وأطفال ورجال عزل ومقاومين شرعيين بوابل من القذائف الفسفورية العنقودية.
علناً! أمام أنظار وعدسات وسائل الإعلام المحلية والعالمية وعلى مدار الساعة يُكثر سلاح الجو الإسرائيلي من استعمال قنابل الفسفور الحارقة. لا تخاف ولا تخجل إسرائيل من احتجاج شعبي دولي أو إقليمي عارم، أو محلي لديها متواضع.
تقتدي بل تأتمر إسرائيل من الإدارة الأميركية المنصرفة من الحكم في ارتكابها المحرمات دولياً بشأن الأسلحة المستعملة سراً وعلناً في العراق وأفغانستان. لا يريد الرئيس الأميركي جورج بوش أن يغادر سدة الحكم إلا ولديه رصيد معتبر قدر الاستطاعة من الجرائم ضد الإنسانية في الأيام القليلة المتبقية له والتي انتهت بانتهاء الحرب على غزة.
كشفت حرب الفسفور هذه مرة أخرى لكن ليست الأخيرة عن عمق الحقد الإسرائيلي تجاه الآخرين، في المجالين الرسمي والشعبي. يغيب عن أذهان القادة الإسرائيليين أن أول أمر التهمته نيران قذائف الفسفور هو ذلك الزعم الإعلامي المتكرر من أن إسرائيل ضحية العداء للسامية عبر التاريخ القديم والمتوسط والحديث.
احترق ذلك الزعم المبني على أساطير وخرافات ما تُعرف بالمحرقة النازية التي يحاول الإسرائيليون إدخالها إلى مقررات المدارس العربية، كجزء من ثقافة السلام والتفاهم والتعاون.
الآن تواجه إسرائيل شعب فلسطين الذي أكثر من أي وقت مضى وعى ضرورة الكفاح والنضال لاستعادة كامل الحقوق الوطنية الفلسطينية. ثم تواجه إسرائيل العالمين العربي والإسلامي اللذين لا تقل نسبة الوعي بخطورة السماح بحصول سلام مع إسرائيل على الطريقة الإسرائيلية ـ الأميركية المقيتة.
أخيراً فالعالم بأكمله الآن يدرك بكل تأكيد أن إسرائيل دولة معتدية غاصبة مارقة، لا تتوانى عن اختراق أبسط قواعد القانون الدولي والمنطق والأخلاق في التعامل مع الغير.
لم تبدأ حركة حماس الحرب والعدوان على إسرائيل. على العكس من ذلك التزمت الحركة أقصى درجات ضبط النفس عندما أخذت إسرائيل تغتال قياديي الحركة وتفرض حصاراً خانقاً، براً وبحراً وجواً.
فعلت حركة حماس المعجزة بنهوضها ووقوفها وصمودها الأسطوري وحيدةً رغماً عن الحصار الخانق والتفوق الإسرائيلي المطلق في البر والبحر والجو. هذا إضافة إلى تزايد خيبة الأمل من وصول أي نوع من الدعم الفعال من جانب الأشقاء والإخوة والأصدقاء.
كشفت حرب الفسفور عيوب وعورات الكثير من المنظمات الدولية والإقليمية. لم تستطع تلك المنظمات عمل شيء بالخير يذكر لإنقاذ جلود وأجساد أهالي غزة من هجمة أسلحة الفسفور عليهم. ألا تعلم هيئات ومنظمات حقوق الإنسان أن الفسفور لا يقل فظاعة جرم عن النابالم والمواد الإشعاعية والكيماوية المحرمة دولياً؟!.
من جانب آخر فإن استعمال الفسفور على أطفال غزة يعني أن في الترسانة الإسرائيلية ما هو أخطر من الفسفور وبكثير. بات على الهيئات الدولية أن تتخطى الغطرسة والعربدة الإسرائيليتين، المعززتين أميركياً، وتقوم بعملية إخضاع هذا الكيان المارق للقوانين والأعراف والمعايير الإنسانية الدولية. لماذا تسهل على ساسة الغرب رؤية أطفال ونساء غزة يُحرقون بالفسفور ولا يتم تحريك أي ساكن فعلي في هذا الاتجاه؟!
لم يسلم من نيران قذائف الفسفور الأبيض أي مكان من قطاع غزة، سواء من الذي يحتوي عناصر مقاومة بطولية مشروعة أو مستشفى يؤوي مرضى وجرحى.
امتد القصف بالفسفور ليشمل تلك المناطق التي تتواجد فيها مرافق الأمم المتحدة والتي أي الأخيرة تعتبر فيها إسرائيل عضواً بالتزكية الإمبريالية، والأميركية بالذات.
السؤال هو كيف للدول العظمى وفي مقدمتها الولايات المتحدة أن تواجه دولاً مارقة أخرى تستعمل الأسلحة المحرمة دولياً مثل الفسفور الأبيض وغيره؟!. كيف ستواجه الإدارات الأميركية المتعاقبة الأجيال البشرية القادمة عندما تتساءل عن فائدة تدريس القانون الدولي في الكليات والمعاهد والجامعات؟!
. هذا القانون الدولي الذي بات يستعمل فقط لحماية أنظمة وكيانات لا تمانع من ارتكاب عمليات إجرام على نطاق واسع وفي وضح النهار.
في العام 1967 استعملت إسرائيل بكثافة غير عادية قنابل النابالم ضد المدنيين العرب على جبهات القتال مع سوريا ومصر والأردن. عام 1973 استعملت إسرائيل القذائف العنقودية المحرمة دولياً على الجيوش والمناطق الآهلة بالسكان في مصر وسوريا. عام 1982 استعملت إسرائيل القنابل «الإفراغية» عند حصارها للعاصمة اللبنانية بيروت. في الحرب السادسة على لبنان عام 2006 استعملت إسرائيل القنابل العنقودية والفسفورية بكثافة غير عادية خاصةً على بلدات الجنوب اللبناني.
حقيقةً يكمن السبب في الاستعمال الإسرائيلي الأحادي الجانب هو الغياب شبه الكامل لعامل الردع العربي ضد الكيان الإسرائيلي. لو كان هنالك من ردع ولو بالحد الأدنى ضد المدنيين الإسرائيليين لما أقدمت إسرائيل على الاستهتار بالنفس البشرية العربية على هذا النطاق الواسع.
بعد عدة أسابيع من القصف الإسرائيلي المتواصل خلال حرب الفسفور على قطاع غزة لم تحرز إسرائيل أي هدف للحرب، خاصة في الجانب العسكري الذي عادة ما تتشدق به.
يغيب عن بال الساسة والقادة في إسرائيل والبيت الأبيض أن الشعوب المقاوِمة المكافحة لا تُهزم. قد تتعرض الشعوب المقاوِمة للتدمير بالأسلحة التقليدية وغير التقليدية، والمسموح بها والمحرمة؛ لكن ثمة نصراً عليها هو مصطلح موجود فقط في قواميس الفاشيين والنازيين والعنصريين الحاقدين.
مرةً أخرى ها قد أتى ذلك اليوم الذي ينتصر فيه الدم على السيف، والعين على الرصاصة، وثمة الجلد واللحم على الفسفور. دخلت المقاومة الفلسطينية في الحرب السابعة في سجل أمجاد التاريخ من أكثر الأبواب صرامةً وفظاعةً، بالذات من باب استعمال قذائف الفسفور الأبيض على الجلود واللحوم والبيوت والممتلكات. بالمقابل يذهب الزعماء الإسرائيليون وجيشهم ومن والاهم إلى مزبلة التاريخ من نفس بوابة الفسفور الأبيض، لكن باتجاه معاكس.
جامعة الإمارات