أن تمتنع هيئة الإذاعة البريطانية، بي- بي- سي ،عن بث نداء لصالح فئة أو جماعة أو فريق في نزاع؛ شيء. لكنه شيء آخر تماماً، أن ترفض إذاعة نداء صادرا عن لجنة طوارئ إنسانية. الامتناع، في الحالة الأولى؛ من حقها. بل من واجبها. أما في الثانية، فإنه يثير ويجب أن يثير، علامات استفهام ويعمق الارتياب.

وتزداد الشكوك، عندما يتعلق رفضها بالحالة المفجعة التي أدّت إليها مجزرة غزة وطلب الإغاثة لأهلها؛ الذين أمعنت آلة الحرب الإسرائيلية في قتلهم وتخريب حياتهم. ثم تتزايد أكثر، لتكاد تصبح تهمة بالانحياز الفاقع إلى جانب إسرائيل؛ عندما تحاول الهيئة تسويغ عدم تجاوبها؛ بتبريرات وذرائع واهية.

بعد وقف النار، تحركت لجنة طوارئ الكوارث، المؤلفة من ثلاث عشرة وكالة إغاثة؛ لتقديم العون والمساعدة، لضحايا العدوان الإسرائيلي في غزة. لتزخيم الدعم، أطلقت نداء لتوسيع المشاركة في العملية. طلبت من الإذاعة البريطانية، بثّه خلال برامجها. لكنها رفضت، زاعمة: - أنها لا تعرف من هي الجهة التي ستنتهي إليها المعونات. * وأن مثل هذا النداء، قد يؤثر أو يطعن في حياديتها !

أثار موقفها هذا اعتراضات عديدة. تهافت مثل هذه المزاعم، تفوح منه رائحة الرغبة المبطنة، في التغطية على الجريمة الإسرائيلية الشنيعة. على الأقل، هكذا بدت.

لاسيما وأن إدارة المحطة، بقيت على إصرارها؛ بالرغم من الأصوات الكثيرة التي ندّدت برفضها ودعتها إلى إعادة النظر فيه. فعاليات متنوعة أغاظها ذلك.

جماعات إغاثة، مجلس مسلمي بريطانيا، أسقف يورك؛ وحتى وزير التنمية الدولية دوغلاس ألكسندر، الذي دعا شبكات التلفزة الرئيسية في بريطانيا لبث النداء. هذا فضلاً عن التظاهرات التي شهدتها مدن بريطانية، للتنديد بردّ الهيئة ولحملها على مراجعة رفضها. بيد أن المؤسسة الإعلامية تشبثت برأيها وبالوقوف وراء حججها، الواقفة على رأسها.

طبعاً من واجب وسائل الإعلام الالتزام بالحياد وبالتوازن؛ في أدائها لمهمتها ورسالتها. نقل الخبر وكشف الحقيقة وتسليط الأضواء،للتبليغ والتصحيح؛ وظائف تفرض الموضوعية والمهنية العالية. وقبل كل شيء، هي تفرض عدم الانحياز. لكن لا حياد في القضايا الإنسانية. الموقف الوحيد، إزاءها؛ وبالذات من جانب الإعلام، هو الانحياز إلى جانبها. وبث نداء لخدمتها، هو أضعف الإيمان.

هو أقل ما يمكن تقديمه. فضلاً عن انه يخدم صدقيّة الوسيلة الإعلامية وصورتها. لكن يبدو أن بي-بي-سي، آثرت المجازفة بكل ذلك، مقابل مساهمتها في حماية صورة إسرائيل. منع بث النداء، لا تفسير له سوى أنه رفض مستتر لوجود حالة مأساوية في غزة؛ تسببت بها إسرائيل. وباقي ما زعمته المحطة كان كالعذر الأقبح من الذنب.