راح العرب فيما مضى الى أكثر مما يجب في طريق المراهنة على قدرة الولايات المتحدة على حل الصراع العربي ـ الاسرائيلي ، وراحت الولايات المتحدة بدورها بعيدا في الرهان على قدرة اسرائيل العسكرية على إخضاع الفلسطينيين لقبول حلول مجتزئة على امل ان تجد واشنطن نفسها في وضع يكفيها مؤونة الحرج الدبلوماسي الذي تتجرعه في كل مرة تجد فيها نفسها مضطرة للدفاع عن اسرائيل في المحافل الدولية.
وما يعنينا هنا هو الموقف العربي ورهاناته، فانطلاقا من لغة المصالح التي يعتزم اوباما ان يقود ادارته الجديدة في تعاملها مع العالمين العربي والاسلامي تبدو مصالح الولايات المتحدة الاميركية المنطقية وبحكم الامر الواقع، والاقتصادي منه على وجه الخصوص في جانب العرب ، لكن ماذا اذا عجزت ادارة اوباما عن الوفاء بالتزامات المصالح العربية الاميركية تحت تأثير ضغوط اللوبي الصهيوني او غيره والاستمرار في اعتبار المصلحة الأهم هي حماية اسرائيل ظالمة او مظلومة؟.
اذا كانت الولايات المتحدة ستختار في الحقبة القادمة التعامل على اساس تجاهل المصالح العربية، فإن العرب لا خيار امامهم سوى توجيه دفة سياستهم الخارجية نحو دول وتجمعات اخرى تحترم مبدأ العلاقات القائمة على المصالح اكثر مما تفعل الولايات المتحدة.
صحيح ان الولايات المتحدة قوة اقتصادية وعسكرية لا يستهان بها لكنها في النهاية تتحول شيئا فشيئا لتصبح احدى القوى اللاعبة على الساحة العالمية وليست القوة الوحيدة كما كان الامر قبل الازمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها حاليا ووسط توقعات بمزيد من تردي الاوضاع الاقتصادية مستقبلا على عكس ما تحاول التقارير الاميركية ان تروج حاليا، ومن ثم فالرهان العربي المستقبلي يبدو افضل من حيث فرص النجاح فيما لو توجه العرب وجهات اخرى ثم لنر في النهاية مدى نجاح الولايات المتحدة في استمرار رهاناتها على اسرائيل.
ربما يكون الفيصل في الامر هو زيارة المبعوث الاميركي الجديد للشرق الأوسط جورج ميتشل ، بما يحمل من تعليمات واشارات وخرائط طرق ينبغي ان تكون هي ايضا محملة بافكار اوباما الجديدة التي أثارت امل العالم وفي تغير سياسة الولايات المتحدة الخارجية الى الافضل في تعاملها مع العالم في مقدمته العرب والمسلمون. ولقد كان جو بايدن نائب الرئيس الاميركي شجاعا حين اعلن في العراق خلال زيارته مؤخرا انه أخطأ من قبل حين صرح ان تقسيم العراق قد يكون حلا لازمته، وذلك بعد ان اقتنع بايدن بان من الضروري ان يتحول في افكاره تجاه المنطقة العربية لتتفق مع توجهات الادارة الجديدة ورئيسها باراك اوباما.
ونأمل ان يكون ميتشل ايضا على نفس الاستعداد للاعتراف بان الحقوق العربية وخاصة الفلسطينية يجب ان يتم الاعتراف بها وان يتمسك في نفس الوقت بطروحاته في تقريره السابق والتي تقول ان الاستيطان الاسرائيلي هو العقبة الاولى في طريق التسوية السلمية للصراع في الشرق الاوسط ، فثمة قناعة لدى الكثيرين بأن اسرائيل هاجمت غزة بوحشية لتوجد واقعا جديدا على الارض يلغي كل ما سبق بما في ذلك اتفاقات أنابوليس التي دعت الى وقف الاستيطان الاسرائيلي. وربما كان بدء ميتشل زيارته غدا بتركيا يحمل بعض الأمل في تشكيل جبهة سياسية اقليمية قوية لحمل اسرائيل على تغيير مواقفها العدائية حتى لا تصبح القضية الفلسطينية مجرد جدليات تنحصر ما بين التهدئة الوقتية والأمور الانسانية، وهذا هو طريق العرب والاميركيين الى الرهانات الناجحة.
