على ما يبدو أن قضية الأمن في أوروبا ستصبح هي القضية المحورية المطروحة على الساحة للنقاش في هذا العام الذي يشهد الذكرى الستين لتأسيس حلف شمال الأطلسي، هذا الحلف الذي فرض الهيمنة الأميركية الكاملة على مسألة الأمن الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية.

و لم تكن هذه الهيمنة الأميركية على أمن الأوروبيين بالسهلة ولا المقبولة منهم بترحاب، بل كانت دائما محل جدل و مشاكل ورفض من بعض الأوروبيين، وخاصة في سنوات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي.

وكانت فرنسا في عهد ديجول تتزعم جبهة الرفض الأوروبية لهذه الهيمنة، وانسحبت من قيادة الحلف العسكرية في أوروبا، و رغم سنوات الحرب الباردة وسباق التسلح بين المعسكرين و سباق التسلح النووي إلا أن الأوروبيين لم يشعروا في سنوات الحرب الباردة بأن هناك أية تهديدات على أمن بلادهم من قبل الاتحاد السوفييتي، بينما كانت واشنطن تحاول دائما أن تصور لهم بأن هذه التهديدات موجودة وقائمة.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفتت لمعسكر الاشتراكي سعت واشنطن بجدية لضم دول جديدة من المعسكر الاشتراكي لحلف شمال الأطلسي، ولم يعترض الأوروبيون في سنوات التسعينات على هذا ألأمر لأنهم لم يروا مشكلة في انضمام هذه الدول للمنظومة الأمنية الأوروبية المتكاملة.

ولكن بمرور الوقت، ومع وصول المحافظين الجدد المتشددين للإدارة الأميركية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، بدأت روسيا تشعر بخطر ضم الدول المجاورة لها لمنظومة حلف الناتو، وزاد إحساس روسيا بالقلق عندما قررت واشنطن نشر منظومة الدفاع المضاد للصواريخ على أراضي دول الحلف المجاورة لروسيا بشكل بات يهدد أمن روسيا.

عندئذ أعلنت روسيا رفضها لمخططات حلف الناتو في أوروبا، وحذرت الأوروبيين، وأعلنت تعليق مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا، كما هددت بنشر صواريخها الاستراتيجية على أراضيها في قلب أوروبا، وهنا صعد السؤال للسطح، ما جدوى المضايقة الأميركية لروسيا ؟

وأصبح هذا السؤال هو محور البحث في قضية الأمن الأوروبي، حيث يرى الأوروبيون أنه لا جدوى من أية منظومة أمنية في أوروبا لا تشارك فيها روسيا التي تشغل وحدها الخط الجغرافي الفاصل بين أوروبا وأسيا، وأن أي أفعال من شأنها أن تضايق روسيا أو تشعرها بأنها مهددة أمنيا ستتعارض بشكل قاطع مع الأمن الأوروبي بشكل عام.

الآن واشنطن تنتهج نهجا مضادا في قضية الأمن الأوروبي، وتستغل حلف شمال الأطلسي بأساليب تتعارض من الأمن والاستقرار في أوروبا، الأمر الذي جعل الأوروبيون يبحثون فيما بينهم جدوى استمرار مشاركة الولايات المتحدة نفسها في منظومة الأمن الأوروبي، حيث يرى البعض، وخاصة الألمان والفرنسيين و الإيطاليين أن أوروبا أصبحت الآن بحاجة لمنظومة أمنية مستقلة تماما عن واشنطن.

و أن قضية الأمن الأوروبي لم تعد تهم واشنطن من قريب أو بعيد بقدر ما يهمها تحقيق مصالحها الخاصة التي باتت تتضارب في أشياء كثيرة مع مصالح الأوروبيين، كما أن مصالح الأوروبيين مع روسيا تنمو باستمرار، و روسيا شريك فعال في الأمن الأوروبي ولا تشكل أي قلق أو مشاكل لأي من جيرانها الأوروبيين.

الآن السؤال المتوقع أن يكون محل نقاش في دوائر حلف الناتو خلال هذا العام هو، ما جدوى استمرار احتكار الحلف لقضية الأمن الأوروبي إذا كان هذا الحلف يشكل عقبة في التقارب الأوروبي الروسي ؟

و قد ظهرت مناقشات داخل دوائر سياسية وعسكرية ألمانية وفرنسية تناقش بجدية جدوى استمرار العلاقات المنية الأوروبية ؟ الأميركية، خاصة بعد ورطة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان التي باتت تشكل عقبة كبيرة أمام استمرار تعاون الأوروبيين مع الحلف.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru