دعونا نفتح إضبارات ودفاتر التاريخ العربي الحديث منذ زوال الدولة الاستعمارية واحتلال فلسطين ثم دوامات الحروب والانقلابات وتعدد الولاءات، ومن كان فاعلاً في الساحة العربية ومن كان خارجها..

هناك دول حاربت خسرت أو سجلت بعض الانتصارات لتنتهي لقناعات بضرورة القبول بالسلام مع إسرائيل لأنها التجسيد الحقيقي لأوروبا وأمريكا، ومن يُرد الحرب معها فعليه أن يجهز جيوشه ومعاركه مع دول حلف الأطلسي برمته، في ضرب معسكراتها ومدنها، وهي الحقيقة غير الزائفة..

المملكة، وبتجرد تام، هي التي قدمت الريال والقرش في دعم حرب الجزائر، وكانت إمكاناتها دون غيرها في تلك المراحل، وكانت في داخل الصف العربي في حرب 1956، ثم كانت المتجاوز للخلافات العربية بدعم حرب 1967، وفي 1973 قادت معركتين سياسية ونفطية، ولم تعبأ بتهديدات أمريكا ولا إسرائىل، عندما دخلت الحرب ب «نكون، أو لا نكون» لتخفض صادرات النفط ويعجز وزير الخارجية الأمريكية هنري كسينجر عن زعزعة الموقف السعودي، بينما كانت دول عربية نفطية تعلن شعار المقاطعة، لكن الأسواق النفطية كشفت عن زيف تلك الادعاءات..

ثم دخلنا معارك جنون صدام مع إيران ثم احتلال الكويت، وجاءت النتائج باحتلال العراق ومضاعفة قوة إيران العسكرية والسياسية لتكون لاعباً في العراق ولبنان والدخول في معارك سياسية مع معظم البلدان العربية بهدف أن تصبح اللاعب الرئيسي في المنطقة، لكن ما خرّبته الحروب الأهلية والعسكرية وقّعت فواتير خسائره المملكة والدول الخليجية لأن الموقف ترتب عليه تفوق النظرة الإنسانية، والواجب القومي على نزعة المزايدات..

وفي كل الخلافات وحالات التمزق العربي، حاولت المملكة أن تكون جسر المصالحات والعبور من خط النار إلى التضامن العربي، وفي حالة غزة عندما تعددت ظاهرة انعقاد القمم وتجزئة المواقف العربية، كان الملك عبدالله سيد الموقف بشطب كل الخلافات والتعالي عليها حتى لا تزيد حالات التمزق والتشرذم، ومع ذلك هناك من حاول الإساءة إليه بالتلميح والتصريح، وحتى التبرع السخي جاء من حاول توظيفه وإدخاله في لعبة الخلافات الفلسطينية إلى درجة نكران الجميل، ومع ذلك تناست القيادة السعودية ذلك لأن المعركة أكبر من أن تحركها أو تمنعها بلدان صغيرة، أو حرب في جبهات الإعلام، إذا كانت الغايات تتعالى على غيرها..

عندما انفجر الموقف بين الجزائر والمغرب سعت المملكة لإيقاف أي تدهور بين البلدين، وبالنوايا الحسنة جمعت على المستوى العربي الفرقاء الفلسطينيين والسودانيين والصوماليين والعراقيين وقبلهم تمت مصالحة اللبنانيين باتفاق الطائف، وحتى على المستوى الإسلامي حاولت أن تدفع بعجلة التوافق بين الأفغان وفصائلهم المتحاربة، وعملت بكل قواها كي لا تنخرط الباكستان في حروب أهلية أو عسكرية مع جارتها الهند..

وعندما دعت القيادة الإيرانية لزيارتها جاءت المعارضة حادة من قِبل أمريكا التي تصنفها بدولة الإرهاب لأن خلق أي توتر بالخليج يعني تدميراً لمقدرات كل الدول المطلة عليه، وبهذه الروح حاولنا أن نكون إطفائية السعير العربي والإسلامي، ولا زلنا نقوم بأدوارنا بثقة تفاعلاً مع الواجب، وخروجاً من دوائر المزايدات والتحالفات..