بعض الرؤى الفكرية التي يسعى أصحابها لبلورة «صورة مجازية» لتخليص العالم ومن ثم تيسير فهمه يقودهم هذا إلى مقاربات مدهشة وطريفة، ومن هذه المقاربات ما حاول بلورته المفكر الفرنسي المعروف دومينيك موييزي، وهو مؤسس وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، نائب رئيس المعهد الفرنسي للأبحاث الدولية، أستاذ بكلية أوروبا في ناتولين بمدينة وارسو، أستاذ زائر بجامعة هارفارد.
ومؤخراً صدر له كتاب في فرنسا تحت عنوان «الجغرافية السياسية للعاطفة». (أو «جيوسياسة الانفعال»)، ويركز فيه على: «البعد الانفعالي للعولمة» حيث يقيم نوعا من «خارطة الانفعالات» في العالم كي يصل من خلالها لتساؤل مفاده: عوضا عن «صراع الحضارات»، هل نحن الآن في مواجهة صدام الانفعالات؟
وحدها في المقدمة
هذا الاسم الأوروبي الكبير في عالم الفكر والتحليل السياسي معاً يتنبأ لمسار الخروج من الأزمة المالية العالمية متوقعا أن قدرة الولايات المتحدة الأميركية على استعادة حالتها الطبيعية تفوق أوروبا بأشواط، وهذا استشراف له دلالته الكبيرة.
وقد سئل دومينيك موييزي في حوار مهم مع شبكة يورونيوز الإخبارية الأوروبية: «هل تعتقد أن الولايات المتحدة هي في حالة تدهور، وأنها قريبا ستقاسم هيمنتها مع لاعبين جدد؟» فأجاب: «أعتقد أنه يمكننا التحدث عن التراجع النسبي للولايات المتحدة، مما يعني أن أميركا ليست ما كانت عليه، لكنها لا تزال وحدها في المقدمة، ولكن ينبغي أن تقبل عالماً متعدد الأقطاب، وهناك قوى صاعدة إلى جانبها».
وحقيقة أن أميركا ? كما يقول موييزي ? «لا تزال وحدها في المقدمة» تكشف جانباً من أهم جوانب قصور الخطاب التحليلي العربي، فالرجل واحد من أهم العقول في أوروبا ولديه أسباب عديدة ثقافية وسياسية وتاريخية، لأن يتمنى تدهور أميركا، لكنه كان قادراً على الفصل الواضح بين «ما يتمنى» و«ما يتبنى»، بين الوقائع والمشاعر، بين الحقائق ووجهات النظر، فالحقائق ملك المتلقي ? قارئا كان أو مستمعا أو مشاهدا ? أما وجهات النظر فملك لمنتج الخطاب التحليلي.
وربما لأن موييزي نموذج للقدرة على السيطرة بدرجة كبيرة على ما في الداخل حتى لا يطغى على العالم الخارجي، وحتى لا يتحول التعامل مع العالم من تفاعل صحي إلى «تهويمات جوانية» لا ضابط لها ولا معيار، لهذه الأسباب أمكنه طرح رؤية خلاقة جدا حول العلاقة بين السياسة والمشاعر هو كتابه: ««الجغرافية السياسية للعاطفة»، وفيه تكلم عن ثلاث حالات من المشاعر اعتبرها قادرة على توصيف العلاقات الدولية: الخوف، والإهانة والأمل.
والطريف أن موييزي استخدم تصوره للعلاقة بين المشاعر والسياسة ليتعامل مع ملفات مهمة، فهو يرى مثلا، أن المشكلة الآن هي ما إذا كانت ثقافة الأمل ستعود مع أوباما إلى الغرب، أو إذا كانت ثقافة الخوف ستمتد إلى آسيا مع الأزمة المالية والاقتصادية الحالية. والمشكلة الكبرى في الولايات المتحدة ديونها الهائلة. ومع ذلك، فهو يرى أن التدابير الواجب اتخاذها من قبل الرئيس لإعادة الثقة ستزيد ديونها.
وفي لغة لا تخلو من بلاغة يصف موييزي انتخاب أوباما قائلا: «هناك لقاء بين رجل وبلد، بين رجل وثقافة»، فانتخاب أوباما رئيسا لأميركا بتقديره ليس مصادفة، فهو لم ينتخب في فرنسا أو ألمانيا، وهو بالتالي يجسد الحلم الأميركي. ومن الصعب جدا أن نتصور وجود أوباما أوروبي!
مفترق الأمل والخوف
على عكس كل ما هو سائد في الخطاب التحليلي العربي من تفاؤل - غير مفهوم - بالمستقبل الأوروبي، وتشديد - غير مبرر - على سوداوية المستقبل الأميركي إذا بالرجل يقول: «أميركا اختارت الأمل في وقت كانت فيه أوروبا تميل إلى أن تكون حبيسة الخوف»!
الملفت أن النظر لأميركا في أوروبا - وبخاصة بعد فوز أوباما - كقارب نجاة امتد من الخطاب التحليلي إلى الخطاب السياسي الأوروبي أيضا، وهو ما يعكسه موقف خوسيه مانويل باروسو رئيس المفوضية الأوروبية الذي يكشف عن أنه في أوروبا يعول الناس كثيراً على الرئيس الأميركي أوباما.
وإن كان المسؤول الأوروبي الكبير قد كشف جانبا من جوانب دهاء التاريخ عندما يقول إن: «العديد من رؤساء دول العالم الثالث ?
ومعظمهم من اليساريين ? أسروا لي أمنيتهم بفوز المرشح الجمهوري (في الانتخابات الأميركية) لأنهم يتخوفون من سياسة الحماية التي يسعى إليها الديمقراطيون»!
موييزي صوت لا نكاد نسمع مثله في العالم العربي رغم التطور الرهيب في حجم البث الفضائي العربي خلال السنوات القليلة الماضية ما فتح الباب للتواصل بين أصحاب الأفكار وجماهيرهم. وعلى سبيل المثال أسفر 2008 وحده عن إطلاق أكثر من 100 فضائية عربية جديدة، لكن هذه الطفرة لم تكشف عن جديد، فالمشاعر، والحقائق، والمعلومات المبتسرة، والشعارات، والانحيازات، ووجهات النظر، كلها مختلطة دون توازن ولذا يندر أن تجد مثل هذا الصوت عندنا.
كاتب مصري
