من المبكر الحكم على التداعيات الناجمة عن الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، طوال 22 يوماً، لاسيما بالنسبة للسياسات والخيارات التي يمكن أن تذهب إليها حماس، ومجمل الساحة الفلسطينية، بعد هذه الحرب.

وبغض النظر عن معايير الربح أو الخسارة، والنصر أو الهزيمة، فإن إسرائيل لم تستطع تحقيق ما أرادته من حربها، لا لجهة تقويض قوة «حماس»، ولا لجهة وقف الصواريخ. أما حركة حماس، ومعها قوى المقاومة، على الصمود والبطولة اللذين أبدتهما، فهي لم تستطع صدّ توغلات إسرائيل في أراضي القطاع، ولا في حماية الفلسطينيين، التي أعملت إسرائيل فيهم قتلاً وتدميراً، بوحشية مفرطة.

الآن ماذا بعد الحرب؟ أو ما هي الاستراتيجية السياسية والعسكرية؟ وهل ستستمر حماس في العمل وفق الطريقة السابقة؟

من الواضح أن حركة حماس، التي تتحكم بالقطاع، معنية بالإجابة عن هذه التساؤلات، فإذا اختارت الاستمرار بجعل القطاع منصّة لتحرير فلسطين، على غرار «هانوي» بالنسبة لفيتنام، أو على الأقل على طريقة جنوب لبنان، بالنسبة لحزب الله، فهذا يعني استمرار إسرائيل بفرض واقع الحصار، وتصعيب العيش على مليون ونصف مليون فلسطيني في القطاع، وأيضاً استمرار إعمال التدمير والتقتيل فيه.

المعنى أن إسرائيل في كل الأحوال لن تورّط نفسها في احتلال القطاع مجدداً، بغض النظر عن إمكان ذلك من عدمه، لأنها لا تريد تحمّل العبء السياسي والأمني والاقتصادي، الناجم عن ذلك، لاسيما إنها سعت للتحرر من هذه التبعات بانسحابها الأحادي (2005).

ويبدو أن لإسرائيل مصلحة في أن تستغل أبشع استغلال إيحاءات الفلسطينيين باعتبار القطاع منطقة محررة، ذات سيادة، وتخضع لسلطة حماس، وتصنع الصواريخ، التي تقذفها على المدن الإسرائيلية المتاخمة، للترويج لاعتبارها ضحية لاعتداءات الفلسطينيين، وتصوير حماس على أنها جزء من معسكر الإرهاب، وأنها متمردة على الشرعية، وتسعى لتقويض عملية السلام؛ ما يعني أن إسرائيل في ضربها للقطاع إنما تدافع عن نفسها وعن أمن مواطنيها.

هكذا، فإن التقدير لصمود المقاومين في غزة، وتثميره، يتطلب عدم المبالغة بقدراتهم، أو تحميلهم فوق طاقاتهم، فهذا الصمود إن لم يعمد بأفق سياسي، أو باستراتيجية سياسية واضحة وممكنة يمكن أن يجري تبديده، كما يمكن أن يحول القطاع إلى مجرد حقل رماية، أو معمل فخّار، لآلة التدمير العسكرية الإسرائيلية.

وبمعنى آخر فإن القطاع عمّد بالدم تحرره من الاحتلال، ولكن تلك المعمودية لا يفترض أن تحمله عبء تحرير فلسطين، أو دحر الاحتلال من الضفة، لأن واقع القطاع، واعتماديته على الموارد الخارجية، التي تتحكم بها إسرائيل، وموقعه الجغرافي، لا يخولانه ذلك. فضلاً عن أن هاتين العمليتين تقعان على عاتق الشعب الفلسطيني كله، وليس على القطاع وحده، كما تحتاجان لوضع عربي مناسب، ووضع دولي مواتٍ.

فوق ذلك فإن تحويل القطاع إلى منصّة يحتاج لكبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية المدمرة، من خلال وجود دولة عربية واحدة، على الأقل، تهيئ نفسها أقله لردع إسرائيل عن الاستفراد بالبطش بالفلسطينيين؛ وهو أمر غير متوفر. فمن غير المعقول أن تستمر إسرائيل باستباحة غزة بين وقت وآخر، تحت هذه الذريعة أو تلك، وتدمر وتقتل، ثم نتحدث عن صمود المقاومة!

ويستنتج من ذلك أن حماس، والقوى الفلسطينية، معنية بفتح السؤال عن مكانة قطاع غزة في العملية الوطنية، وصوغ الاستراتيجية المناسبة للتعامل مع القطاع. ومثلاً، ومع التأكيد على أهمية تدعيم المقاومة لقواها، لصد أية اعتداءات إسرائيلية مستقبلاً، فثمة إمكانية لتحويل القطاع إلى نموذج للدولة الفلسطينية المنشودة، أي تحويله لنموذج في الوحدة الوطنية، وبناء النظام السياسي، وإعلاء شأن القانون، والتنمية والتعليم والخدمات، كي يكون ذخراً في دحر الاحتلال من الضفة؛ على أساس أن العملية الوطنية الفلسطينية ذات وجهين تحرري وبنائي.

وعلى الرغم من أن الماضي مضى، فإن التمعن بتجربة قطاع غزة، كمنطقة محررة، يستحق المراجعة. فمنذ البداية تصرّف الفلسطينيون (على الأغلب) إزاء الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من القطاع باعتباره هزيمة لإسرائيل، والأنكى أنهم تصرّفوا في سياساتهم، أو في إدارتهم لأحوالهم ولصراعهم مع إسرائيل، وكأنّهم باتوا في منطقة محرّرة.

وفي دولة ذات سيادة، من دون احتساب للعواقب الكبيرة والخطيرة الناجمة عن ذلك، ومن دون تبصّر لما يعتور هذه النظرة للأوضاع! ويمكن التدليل على ما تقدم، أولاً، في تبني عمليات القصف الصاروخي على المناطق الإسرائيلية المتاخمة لقطاع غزة؛ وثانياً، في عملية أسر جندي إسرائيلي من منطقة زرعيت المتاخمة للقطاع (يونيو 2006). وثالثاً، في قيام حركة حماس بالهيمنة، الأحادية والاقصائية، على قطاع غزة بوسائل القوة (يونيو 2007).

وكما قدمنا فإن عديداً من الفصائل في القطاع بدت، بعد انسحاب إسرائيل، وكأنها تعد العدة لجعل القطاع بمثابة «هانوي» فلسطين، كما بدت أكثر ميلاً لمحاكاة، أو لاستنساخ، التجربة اللبنانية، في واقع دولي وإقليمي لا يسمح لا بهذه التجربة ولا تلك، عدا عن استحالة مقارنة الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بأية تجربة أخرى، بحكم تعقيداتها ومداخلاتها الخاصة.

وإذا كان الانسحاب من غزة يمكن أن يحتسب بمثابة هزيمة لإسرائيل، بمعنى ما، فإن التدقيق في استثماراته السياسية الاستراتيجية، من قبلها، يمكن أن يكبح جماح أي شعور بالنصر عند الفلسطينيين، ذلك أن إسرائيل انسحبت من مساحة جد قليلة من فلسطين التاريخية، ومن مساحة الأرض المحتلة عام 1967.

ولكنها في ذلك تخلصت من عبء السيطرة على 1.5 مليون فلسطيني، في منطقة تعتبر من أكثر مناطق العالم اكتظاظاً بالسكان، وتفتقر للموارد الطبيعية. الأهم من هذا كله أن إسرائيل تخلصت في انسحابها هذا من عبء قطاع غزة، الديمغرافي والسياسي والأمني والاقتصادي والأخلاقي، ورمت للعالم مبادرة مراوغة تحسّن فيها مكانتها وصورتها، وتساهم من خلالها في حماية طابعها كدولة يهودية.

المعنى أن انسحبت إسرائيل، من قطاع غزة، بسبب مصالحها أساساً، وأيضاً بسبب صمود الشعب الفلسطيني، وممانعته الاحتلال والاستيطان، بوسائله العادية الشعبية، وليس بالضبط تحت ضغط عملية تحريرية مسلحة. فالمقاومة أشمل وأوسع وأعمق من مجموع عمليات عسكرية، وهي نتاج فعل كتل شعبية واسعة، أكثر بكثير من كونها نتاج مجموعة من المحترفين العسكريين.

ويمكن التدليل على ذلك من تفحّص الإحصاءات، حيث سقط في قطاع غزة، 230 إسرائيلياً بين مستوطنين وجنود، منذ احتلاله في يونيو (1967)، منهم 124 إسرائيلياً فقط لقوا مصرعهم في السنوات الخمس الأولى من المواجهات العسكرية (2001ـ 2005)، أي في الانتفاضة الثانية، ضمنهم سبعة قتلوا بنتيجة إطلاق الفلسطينيين لأكثر من 500 صاروخ محلي الصنع على المدن الإسرائيلية المتاخمة للقطاع، وكل ذلك من أصل 1040 إسرائيلياً لقوا مصرعهم خلال هذه الفترة.

(هآرتس 23/8/2005). ويستنتج من ذلك أن الخسائر البشرية ليست لوحدها التي حفزت إسرائيل على الانسحاب من القطاع، كما قدمنا، إذ أن مقتل 230 إسرائيلياً في القطاع، خلال ما يقارب أربعة عقود من الزمن لا يشكل ثمناً أو دافعاً معقولاً لوحده للانسحاب. ثم إذا كان الأمر يحتسب بالخسائر البشرية، لكان الأولى بالنسبة لإسرائيل الانسحاب من الضفة، التي خسرت فيها حوالي 900 من الإسرائيليين خلال فترة الانتفاضة، مقابل 124 فقط في قطاع غزة.

ومن دون التقليل من فعل الانتفاضة الشعبية والمقاومة المسلحة، اللتان رفعتا ثمن الاحتلال، وعزّزتا النقاش بين الإسرائيليين، بشأن جدوى الاحتلال والاستيطان والسيطرة على شعب آخر في الأراضي المحتلة، فإن مصالح إسرائيل هي التي حسمت هذا النقاش، لصالح الانفصال الأحادي، أو الانسحاب من طرف واحد، وهو في كل الأحوال انسحاب محدود ومشروط.

وهنا يبدو أنه ثمة ناحية أخرى غابت، في ظل المبالغات الفلسطينية، وهي أنه ثمة مخاتلة في موضوع الانسحاب من غزة، ذلك أن إسرائيل مازالت تسيطر على مختلف أنشطة الحياة في ذلك القطاع، من الماء إلى الكهرباء إلى الطحين إلى المحروقات، وهي أحاطت بالقطاع من كل حدب وصوب، من البر والبحر والجو، وفرضت طوقاً من الحصار المشدد عليه، واحتفظت بحقها في «تأديب» القطاع، بما في ذلك حق اقتحامه أو اجتياحه متى وجدت الفرصة سانحة لذلك!

هكذا ثمة أهمية للفلسطينيين لمراجعة سياساتهم وأشكال عملهم وعلاقاتهم الداخلية، وتعزيز وحدتهم، لحماية الإنجاز المتحقق في انسحاب إسرائيل من غزة، وتطويره والبناء عليه، وإلا تحول إلى عبء، أو كارثة وطنية، وهو ما تعمل إسرائيل عليه، لنزع شرعية المقاومة، وللتملص من استحقاق الدولة المستقلة، وتأكيد وجهة نظرها بأن الفلسطينيين غير مؤهلين لإدارة أوضاعهم بعد!

كاتب فلسطيني

mkayali@scs-net.org