ما يحدث الان في الساحة الداخلية الفلسطينية، في واقع الامر، بعد العدوان العسكري الاسرائيلي على قطاع غزة بكل تداعياته المأساوية، هو صراع على السلطة والنفوذ والشرعية ليس فقط استمرارا للصراع الداخلي بين حركتي «فتح» و «حماس» وبين السلطة الفلسطينية والحكومة المقالة الذي سبق العدوان بل ان هذا الصراع بات اكثر ايلاما وبشاعة وتهديدا للمصالح والحقوق الوطنية الفلسطينية بل واكثر من ذلك ان هذا الصراع بات على حساب دماء الشهداء والامة ومعاناة الجرحى والالاف الذين اصبحوا دون مأوى جراء هذا العدوان.
ولذلك فان من البديهي ان يشعر كل فلسطيني بالاشمئزاز والحنق والغضب وهو يسمع ويشاهدالمهاترات المتبادلة على الفضائيات ومختلف وسائل الاعلام وهو ما يعني امعانا في هاوية الفرقة والانقسام وامعانا في ضرب المصالح العليا للشعب الفلسطيني واستهتارا بهذا الشعب العظيم الذي يشهد تاريخه النضالي وآخره ما سطره شعبنا من صمود اسطوري في قطاع غزة وقبل ذلك في الضفة وفي بيروت وغيرها، واستهتارا بكل القيم التي يؤمن بها شعبنا الى درحة محاولة استغلال مأساة غزة ودماء شهداء غزة في هذا الصراع البغيض.
والحقيقة ان احد اوجه الصراع تتمجور اليوم حول عملية اعادة اعمار قطاع غزة وتعويض الضحايا فيما ينسى الكثيرون احاسيس ومشاعر ابناء الشعب الفلسطيني بل ومشاعر اولئك الذين بقوا احياء ونهضوا من بين الركام من المدنيين العزل. ولهذا فان ما يؤسف له ان يقال ان المتصارعين جميعا سقطوا في هذا الاختبار فالاجدر والاولى هو الالتفات الى هذه المعاناة الهائلة والمسارعة التي تضميد الجراح وايواء من بقوا دون منازل حتى لو كان ثمن ذلك ان يتنازل المتصارعون عن مواقفهم الفئوية والانانية.
وان ما يجب ان يقال هنا للجميع ان النهوض الحقيقي من تحت ركام العدوان على قطاع غزة لن يكون ممكنا اذا لم تتوقف كل هذه المهاترات واذا لم يتوقف كل هذا الاستخفاف بالمواطن الفلسطيني لان المهام جسيمة ولا تقتصر على تسلم اموال المتبرعين او صرف تعويضات للضحايا او اعادة اعمار بل انها تشمل بشكل اساسي رسم خطوات الشعب الفلسطيني المقبلة في مواجهة التحديات التي تفرضها اسرائيل وفرض الرقم الفلسطيني مجددا في معادلة الشرق الاوسط بهدف الوصول الى تحقيق اهداف شعبنا الوطنية في التحرر من الاحتلال واقامة الدولة المستقلة.
وكل هذا لا يمكن ان يتم اذا لم يسارع اقطاب الصراع الى وقف تشويه صورة شعبنا امام العالم اجمع والالتفاف حول برنامج متفق عليه في اطار وحدة فلسطينية راسخة عمدتها تضحيات شعبنا العظيم على مدى عقود، واذا لم تسارع هذه الاقطاب الى حوار ماراثوني وتستجيب لتطلعات وآمال ابناء شعبنا.
واليوم لا تنقصنا المبادرات ولا الرعاية ولا الدعم الشعبي لتوجه كهذا بل ان ما ينقصنا فقط هو ارادة حقيقية لتجاوز ازمة الانقسام وادراك حقيقي لجسامة التهديدات والمخاطر التي ينطوي عليها الاصرار على تعميق هذا الانقسام.
حان الوقت لجماهير الضفة الغربية ولجماهير قطاع غزة ولجماهير شعبنا في كل مكان مثلما خرجت متوحدة خلال العدوان الاسرائيلي ان تخرج مجددا لتصرخ باعلى صوت: كفى لهذه المهاترات وكفى للانقسام فشعبنا يريد الوحدة ويريد طريقا واضحا يوصله الى اهدافه المشروعة. حان الوقت لكل القيادات في ا لضفة وغزة ان تقف وقفة ضمير ومسؤولية وتمد اياديها كل للاخر تمهيدا لاستعادة الوحدة وتمهيدا لمواصلة مسيرة نضالنا المشروع للتحرر من الاحتلال واقامة الدولة المستقلة.
